تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما كان من كرم فأنتم أهله

كرمت مغارسكم وطاب المحتد

أمن السوية يابن عم محمد

خصم تقربه وآخر تبعد

إن الذين سعوا إليك بباطل

حساد نعمتك التي لا تجحد

شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا

فينا، وليس كغائب من يشهد

لو يجمع الخصماء عندك مجلس

يوما لبان لك الطريق الأقصد

فبأي جرم أصبحت أعراضنا

نهبا تقسمها اللئيم الأوغد

خرج علي بن الجهم إلى الشأم في قافلة فخرجت عليهم الأعراب في خساف،

208

فهرب من كان في القافلة من المقاتلة وثبت علي بن الجهم، فقالتهم قتالا شديدا وثاب الناس إليه فدفعهم ولم يحظوا بشيء. فقال في ذلك:

صبرت ومثلي صبره ليس ينكر

وليس على ترك التقحم يعذر

غريزة حر لا اختلاق تكلف

إذا خام

209

في يوم الوغى المتصبر

ولما رأيت الموت تهفو بنوده

وبانت علامات له ليس تنكر

وأقبلت الأعراب من كل جانب

وثار عجاج أسود اللون أكدر

بكل مشيح

210

مستميت مشمر

يجول به طرف أقب مشمر

بأرض خساف حين لم يك دافع

ولا مانع إلا الصفيح المذكر

فقلل في عيني عظيم جموعهم

عزيمة قلب فيه ما جل يصغر

بمعترك فيه المنايا حواسر

ونار الوغى بالمشرفية تسعر

فما صنت وجهي عن ظبات سيوفهم

ولا انحزت عنهم والقنا تتكسر

ولم أك في حر الكريهة محجما

إذا لم يكن في الحرب للورد مصدر

إذا ساعد الطرف الفتى وجنانه

وأسمر خطي وأبيض مبتر

فذاك وإن كان الكريم بنفسه

إذا اصطلت الأبطال في النقع عسكر

منعتهم من أن ينالوا قلامة

وكنت شجاهم والأسنة تقطر

وتلك سجايانا قديما وحادثا

بها عرف الماضي وعز المؤخر

أبت لي قروم أنجبتني أن أرى

وإن جل خطب خاشعا أتضجر

أولئك آل الله فهر بن مالك

بهم يجبر العظم الكسير ويكسر

هم المنكب العالي على كل منكب

سيوفهم تفني وتغني وتفقر

كان علي بن الجهم يعاشر جماعة من فتيان بغداد لما أطلق من حبسه ورد من النفي، وكانوا يتقاينون ببغداد ويلزمون منزل مغن بالكرخ يقال له المفضل، فقال فيه علي بن الجهم:

نزلنا بباب الكرخ أطيب منزل

على محسنات من قيان المفضل

فلابن سريج والغريض ومعبد

بدائع في أسماعنا لم تبدل

أوانس ما للضيف منهن حشمة

ولا ربهن بالجليل المبجل

يسر إذا ما الضيف قل حياؤه

ويغفل عنه وهو غير مغفل

ويكثر من ذم الوقار وأهله

إذا الضيف لم يأنس ولم يتبذل

ولا يدفع الأيدي المريبة غيرة

إذا نال حظا من لبوس ومأكل

ويطرق إطراق الشجاع مهابة

ليطلق طرف الناظر المتأمل

أشر بيد واغمز بطرف ولا تخف

رقيبا إذا ما كنت غير مبخل

وأعرض عن المصباح والهج بمثله

فإن همد المصباح فادن وقبل

وسل غير ممنوع وقل غير مسكت

ونم غير مذعور وقم غير معجل

لك البيت ما دامت هداياك جمة

وكنت مليا بالنبيذ المعسل

فبادر بأيام الشباب فإنها

تقضى وتفنى والغواية تنجلي

ودع عنك قول الناس أتلف ماله

فلان فأضحى مدبرا غير مقبل

هل الدهر إلا ليلة طرحت بنا

أواخرها في يوم لهو معجل

سقى الله باب الكرخ من متنزه

إلى قصر وضاح فبركة زلزل

مساحب أذيال القيان ومسرح ال

حسان ومثوى كل خرق معذل

لو ان امرأ القيس بن حجر يحلها

لأقصر عن ذكر الدخول وحومل

إذن لرأى أن يمنح الود شادنا

مقصر أذيال القنا غير مسيل

إذا الليل أدنى مضجعي منه لم أقل «عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل»

دخل علي بن الجهم يوما على عبد الله بن طاهر في غداة من غدوات الربيع وفي السماء غيم رقيق، والمطر يجيء قليلا ويسكن قليلا، وقد كان عبد الله عزم على الصبوح فغاضبته حظية له، فتنغص عليه عزمه وفتر، فخبر علي بن الجهم بالخبر وقيل له: قل في هذا المعنى لعله ينشط للصبوح؛ فدخل عليه فأنشده:

أما ترى اليوم ما أحلى شمائله

صحو وغيم وإبراق وإرعاد

كأنه أنت يا من لا شبيه له

وصل وهجر وتغريب وإبعاد

فباكر الراح واشربها معتقة

لم يدخر مثلها كسرى ولا عاد

واشرب على الروض إذ لاحت زخارفه

زهر ونور وأوراق وأوراد

كأنما يومنا فعل الحبيب بنا

بذل وبخل وإيعاد وميعاد

وليس يذهب عني كل فعلكم

عصر المأمون · الصفحة ٣٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٥٦