تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلما أن بليت غدوا وراحوا

علي أشد أسباب البلاء

أبت أخطارهم أن ينصروني

بمال أو بجاه أو ثراء

وخافوا أن يقال لهم خذلتم

صديقا فادعوا قدم الجفاء

تظافرت الروافض والنصارى

وأهل الإعتزال على هجائي

وعابوني وما ذنبي إليهم

سوى علمي بأولاد الزناء

فبختيشوع يشهد لابن عمرو

وعزون لهارون المرائي

وما الجذماء بنت أبي سمير

بجذماء اللسان على الخناء

إذا ما عد مثلكم رجالا

فما فضل الرجال على النساء

عليكم لعنة الله ابتداء

وعودا في الصباح وفي المساء

إذا سميتم للناس قالوا

أولئك شر من تحت السماء

أنا المتوكلي هوى ورأيا

وما بالواثقية من خفاء

وما حبس الخليفة لي بعار

وليس بمؤيسي منه التنائي

كان سبب حبس المتوكل علي بن الجهم أن جماعة من الجلساء سعوا به إليه وقالوا له: إنه يخمش الخدم ويغمزهم، وإنه كثير الطعن عليك والعيب لك والإزراء على أخلاقك، ولم يزالوا به يوغرون صدره عليه حتى حبسه، ثم أبلغوه عنه أنه هجاه، فنفاه إلى خراسان وكتب بأن يصلب إذا وردها يوما إلى الليل، فلما وصل إلى الشاذياخ حبسه طاهر بن عبد الله بن طاهر بها، ثم أخرج فصلب يوما إلى الليل مجردا ثم أنزل، فقال في ذلك:

لم ينصبوا بالشاذياخ عشية

الإثنين مسبوقا ولا مجهولا

نصبوا بحمد الله ملء قلوبهم

شرفا وملء صدروهم تبجيلا

ما ازداد إلا رفعة بنكوله

وازدادت الأعداء عنه نكولا

هل كان إلا الليث فارق غيله

فرأيته في محمل محمولا

لا يأمن الأعداء من شداته

شدا يفصل هامهم تفصيلا

ما عابه أن بز عنه لباسه

فالسيف أهول ما يرى مسلولا

إن يبتذل فالبدر لا يزري به

إن كان ليلة تمه مبدولا

أو يسلبوه المال يحزن فقده

ضيفا ألم وطارقا ونزيلا

أو يحبسوه فليس يحبس سائر

من شعره يدع العزيز ذليلا

إن المصائب ما تعدت دينه

نعم وإن صعبت عليه قليلا

والله ليس بغافل عن أمره

وكفى بربك ناصرا ووكيلا

ولتعلمن إذا القلوب تكشفت

عنها الأكنة من أضل سبيلا

وكتب المتوكل إلى طاهر بن عبد الله بإطلاق علي بن الجهم، فلما أطلقه قال:

أطاهر إني عن خراسان راحل

ومستخبر عنها فما أنا قائل

أأصدق أم أكني عن الصدق أيما

تخيرت أدته إليك المحافل

وسارت به الركبان واصطفقت به

أكف قيان واجتبته القبائل

وإني بعالي الحمد والذم عالم

بما فيهما نامي الرمية ناضل

وحقا أقول الصدق إني لمائل

إليك وإن لم يحظ بالود مائل

ألا حرمة ترعى ألا عقد ذمة

لجار ألا تعمل لقول مشاكل

ألا منصف إن لم نجد متفضلا

علينا ألا قاض من الناس عادل

فلا تقطعن غيظا علي أناملا

فقبلك ما عضت علي الأنامل

أطاهر إن تحسن فإني محسن

إليك وإن تبخل فإني باخل

فقال له طاهر: لا تقل إلا خيرا، فإني لا أفعل بك إلا ما تحب، فوصله وحمله وكساه.

وقال علي بن الجهم للمتوكل:

عفا الله عنك! ألا حرمة

تجود بعفوك أن أبعدا

لئن جل ذنب ولم أعتمد

لأنت أجل وأعلى يدا

ألم تر عبدا عدا طوره

ومولى عفا ورشيدا هدى

ومفسد أمر تلافيته

فعاد فأصلح ما أفسدا

أقلني أقالك من لم يزل

يقيك ويصرف عنك الردى

وأحسن شعر قاله في الحبس قصيدته التي أولها:

قالوا حبست فقلت ليس بضائري

حبسي وأي مهند لا يغمد

أو ما رأيت الليث يألف غيله

كبرا وأوباش السباع تردد

والشمس لولا أنها محجوبة

عن ناظريك لما أضاء الفرقد

والبدر يدركه السرار فتنجلي

أيامه وكأنه متجدد

والغيث يحصره الغمام فما يرى

إلا وريقه يراع ويرعد

والزاعبية لا يقيم كعوبها

إلا الثقاف وجذوة تتوقد

والنار في أحجارها مخبوءة

لا تصطلي إن لم تثرها الأزند

والحبس ما لم تغشه لدنية

شنعاء نعم المنزل المتودد

بيت يجدد للكريم كرامة

ويزار فيه ولا يزور ويحمد

لو لم يكن في الحبس إلا أنه

لا يستذلك بالحجاب الأعبد

كم من عليل قد تخطاه الردى

فنجا ومات طبيبه والعود

يا أحمد بن أبي دواد إنما

تدعى لكل عظيمة يا أحمد

أبلغ أمير المؤمنين ودونه

خوض الردى ومخاوف لا تنفد

أنتم بنو عم النبي محمد

أولى بما شرع النبي محمد

عصر المأمون · الصفحة ٣٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٥٥