تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إني بحول امرئ أعليت رتبته

فحظه منك تعظيم وتبجيل

وأنت عدته في نيل همته

وأنت في كل ما يهواه مأمول

ما غالني عنك أيلول بلذته

وطيبه ولنعم الشهر أيلول

الليل لا قصر فيه ولا طول

والجو صاف وظهر الكأس مرحول

والعود مستنطق عن كل معجبة

يضحى بها كل قلب وهو متبول

لكن توقع وشك البين عن بلد

تحله فوكاء العين محلول

ما لي إذا شمرت بي عنك مبتكرا

دهم البغال أو الهوج المراسيل

إلا رعاياتك اللاتي يعود بها

حد الحوادث عني وهو مفلول

وكان الحسن بن وهب يساير محمدا على مسناة،

200

فعدل عن المسناة لئلا يضيق لمحمد الطريق، فظن محمد أنه أشفق على نفسه من المسناة، فعدل عنها ولم يساعده على طريقه، وظن بنفسه أن يصيبها ما يصيبه، فقال له محمد:

قد رأيناك إذ تركت المسنا

ة وحاذيتني يسار الطريق

ولعمري ما ذاك منك وقد جد

بك الجد من فعال الشفيق

فقال له الحسن:

إن يكن خوفي الحتوف أراني

أن تراني مشبها بالعقوق

فلقد جارت الظنون على المش

فق والظن مولع بالشفيق

عذر السيد الأجل وقد سا

ر على الخوف من يمين الطريق

فأخذت الشمال بقيا على السي

د إذ هالني سلوك المضيق

إن عندي مودة لك حازت

ما حوى عاشق من المعشوق

طود عز خصصت منه ببر

صار قدري به مع العيوق

وبنفسي وإخوتي وأبي البر

وعمي وأسرتي وصديقي

من إذا ما روعت أمن روعي

وإذا ما شرقت سوغ ريقي

وحدث المبرد قال: استسقى الحسن بن وهب من محمد بن عبد الملك نبيذا ببلد الروم وهو مع المعتصم، فسقاه وكتب إليه:

لم تلق مثلي صاحبا

أندى يدا وأعم جودا

يسقى النديم بقفرة

لم يسق فيها الماء عودا

صفراء صافية كأن

بكأسها درا نضيدا

وأجود حين أجود لا

حصرا بذاك ولا بليدا

وإذا استقل بشكرها

أوجبت بالشكر المزيدا

خذها إليك كأنما

كسيت زجاجتها عقودا

واجعل عليك بأن تقو

م بشكرها أبدا عهودا

ومن جيد شعره قوله:

بأبي كرهت النار لما أوقدت

فعرفت ما معناك في إبعادها

هي ضرة لك بالتماع ضيائها

وبحسن صورتها لدى إيقادها

وأرى صنيعك بالقلوب صنيعها

بسيالها وأراكها وعرادها

شركتك في كل الأمور بحسنها

وضيائها وصلاحها وفسادها

ومات الحسن بن وهب فرثاه أخوه سليمان بن وهب:

مضى مذ مضى عز المعالي وأصبحت

لالي الحجا والقول ليس لها نظم

وأضحى نجى الفكر بعد فراقه

إذا هم بالإفصاح منطقه كظم

وكتب الحسن بن وهب يشكر:

من شكرك على درجة رفعته إليها، أو ثروة أقدرته عليها، فإن شكري لك على مهجة أحييتها، وحشاشة أبقيتها، ورمق أمسكت به، وقمت بين التلف وبينه؛ فلكل نعمة من نعم الدنيا حد تنتهي إليه، ومدى يوقف عنده، وغاية من الشكر يسمو إليها الطرف، خلا هذه النعمة التي فاقت الوصف، وأطالت الشكر وتجاوزت قدره، وأتت من وراء كل غاية؛ رددت عنا كيد العدو وأرغمت أنف الحسود، فنحن نلجأ منك إلى ظل ظليل، وكنف كريم، فكيف يشكر الشاكر، وأين يبلغ جهده المجتهد. (18) أشجع السلمي

201

كان متصلا بالبرامكة وله فيهم أشعار كثيرة، منها قوله في يحيى بن خالد وكان قد غاب:

قد غاب يحيى فما أرى أحدا

يأنس إلا بذكره الحسن

أوحشت الأرض حين فارقها

من الأيادي العظام والمنن

لولا رجاء الإياب لانصدعت

قلوبنا بعده من الحزن

وقال أيضا:

رأيت بغاة الخير في كل وجهة

لغيبة يحيى مستكينين خضعا

فإن يمس من في الرقتين مؤملا

لأوبة يحيى نحوها متطلعا

فما وجه يحيى وحده غاب عنهم

ولكن يحيى غاب بالخير أجمعا

وقال فيه أيضا:

إذا غاب يحيى عن بلاد تغيرت

وتشرق إن يحتلها فتطيب

وإن فعال الخير في كل بلدة

إذا لم يكن يحيى بها لغريب

وقال فيه حين اعتل:

لقد قرعت شكاة أبي علي

قلوب معاشر كانت صحاحا

فإن يدفع لنا الرحمن عنه

صروف الدهر والأجل المتاحا

فقد أمسى صلاح أبي علي

لأهل الأرض كلهم صلاحا

إذا ما الموت أخطأه فلسنا

نبالي الموت حيث غدا وراحا

وهو القائل:

ليس للحاجات إلا

من له وجه وقاح

ولسان طرمذار

202

وغدو ورواح

إن أكن أبطأ الحا

جة عني فاللحاح

عصر المأمون · الصفحة ٣٥٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٥٣