لها حظ من الزجر
قال: فغضب مولاها وتغير لونه وقال: أتفحش على جاريتي تخاطبها بالخنى؟ فقالت له: خفض عليك، فما ذهب إلى ما ظننت وإنما يعني القلم؛ فسرى عنه، وضحك سعيد وقال: هي أعلم منك بما سمعت. (17) الحسن بن وهب
197
حدث ميمون بن هارون: قال: كنا عند الحسن بن وهب فقال لبنان: غنيني:
أتأذنون لصب في زيارتكم
فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يضمر السوء إن طال الجلوس به
عف الضمير ولكن فاسق النظر
قال فضحكت، ثم قال: فأي خير فيه إن كان كذا أو أي معنى؟ فخجل الحسن من بادرتها عليه، وعجبنا من حدة جوابها وفطنتها.
وحدث محمد بن عيسى قال: جاء عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع إلى الحسن ابن وهب، وعنده بنان جارية محمد بن حماد، وهي نائمة سكرى وهو يبكي عندها، فقال له: ما لك؟ قال: قد كنت نائما فجاءتني فأنبهتني وقالت: اجلس حتى تشرب فجلست، فوالله ما غنت عشرة أصوات حتى نامت، وما شربت إلا قليلا، فتذكرت قول أشعر الناس وأظرفهم العباس بن الأحنف:
أبكي الذين أذاقوني مودتهم
حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
فأنا أبكي وأنشد هذا البيت.
وحدث محمد بن موسى بن حماد قال: دعا الحسن بن وهب إبراهيم بن العباس فقال له: اركب وأجيئك عشيا فلا تنتظرني بالغداة، فأبطأ عليه، وأسرع الحسن في شربه فسكر ونام، وجاء إبراهيم فرآه على تلك الحال، فدعا بدواة وكتب:
رحنا إليك وقد راحت بك الراح
وأسرعت فيك أوتار وأفراح
وحدث أيضا محمد بن موسى قال: نظر إبراهيم بن العباس الحسن بن وهب وهو مخمور فقال له:
عيناك قد حكتا مبي
تك كيف كنت وكيف كانا
ولرب عين قد أرت
ك مبيت صاحبها عيانا
فأجابه الحسن بن وهب بعشرين بيتا وطالبه بمثلها، فكتب إليه أربعة أبيات وطالبه بأربعين بيتا. وأبيات إبراهيم:
أأبا علي خير قولك ما
حصلت أنجعه ومختصره
ما عندنا في البيع من غبن
للمستقل بواحد عشره
أنا أهل ذلك غير محتشم
أرضى القديم وأقتفي أثره
ها نحن وفيناك أربعة
والأربعون لديك منتظره
وقال عبيد الله بن سليمان: لعمري ما في الكتاب أشعر من أبي إسحاق وأبي علي (يعني عمه الحسن بن وهب).
حدث علي بن يحيى قال: قلت لإسحاق بن إبراهيم الموصلي، وقد جرى ذكر أحمد بن يحيى المكي: يا أبا محمد، لو كان أبو جعفر أحمد بن يحيى المكي مملوكا كم كان يساوي؟ فقال: أخبرك عن ذلك، انصرفت ليلة من دار الواثق، فاجتزت بدار الحسن بن وهب فدخلت إليه، فإذا أحمد عنده، فلما قام لصلاة العشاء الآخرة قال لي الحسن بن وهب: وكم يساوي أحمد لو كان مملوكا؟ قلت: يساوي عشرين ألف دينار. قال: ثم رجع فغنى صوتا، فقال لي الحسن بن وهب: يا أبا محمد، أضعفها. قال: ثم تغنى صوتا آخر، فقلت للحسن: يا أبا علي أضعفها، ثم أردت الانصراف فقلت لأحمد غنني:
لولا الحياء وأن السير من خلقي
إذن قعدت إليك الدهر لم أقم
أليس عندك سكر للتي جعلت
ما ابيض من قادمات الرأس كالحمم
فغناه أحمد بن يحيى المكي فأحسن فيه كل الإحسان، فلما قمت للانصراف قلت للحسن: يا أبا علي، أضعف الجميع، فقال له أحمد: ما هذا الذي أسمعكما تقولانه ولست أدري ما معناه؟ قال نحن نبيعك ونشتريك منذ الليلة وأنت لا تدري.
وحدث محمد بن موسى قال: كان أبو تمام يعش غلاما خزريا للحسن بن وهب، وكان الحسن يتعشق غلاما روميا لأبي تمام، فرآه أبو تمام يوما يعبث بغلامه، فقال له: والله لئن أعنقت
198
إلى الروم لنركضن إلى الخزر؛ فقال له الحسن: لو شئت حكمتنا واحتكمت؛ فقال له أبو تمام: أنا أشبهك بداود عليه السلام وأشبه نفسي بخصمه؛ فقال الحسن: لو كان هذا منظوما خفناه، فأما وهو منثور فلا، لأنه عارض لا حقيقة له؛ فقال أبو تمام:
أبا علي بصرف الدهر والغير
وبالحوادث والأيام فاعتبر
199
أذكرتني أمر داود وكنت فتى
مصرف القلب في الأهواء والفكر
أعندك الشمس لم يحظ المغيب بها