وكان سعيد بن وهب يتعشق غلاما يتشطر يقال له سعيد، فبلغه أنه توعده أن يجرحه، فقال فيه:
من عذيري من سمى
من عذيري من سعيد
أنا باللحم أجاه
ويجاني
196
بالحديد
ونظر سعيد بن وهب إلى قوم من كتاب السلطان في أحوال جميلة، فأنشأ يقول:
من كان في الدنيا له شارة
فنحن من نظارة الدنيا
نرمقها من كثب حسرة
كأننا لفظ بلا معنى
يعلو بها الناس وأيامنا
تذهب في الأرذل والأدنى
وحدث حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان سعيد بن وهب لي صديقا، وكان له ابن يكنى أبا الخطاب من أكيس الصبيان، وأحسنهم وجها وأدبا، فكان لا يكاد يفارقه في كل حال، لشدة شغفه به ورقته عليه، فمات وله عشر سنين، فجزع عليه جزعا شديدا وانقطع عن لذاته، فدخلت إليه يوما لأعاتبه على ذلك وأستعطفه، فحين رأى ذلك في وجهي فاضت دموعه، ثم انتحب حتى رحمته، وأنشدني:
عين جودي على أبي الخطاب
إذ تولى غضا بماء الشباب
لم يقارب ذنبا ولم يبلغ الحن
ث مزجى مطهر الأثواب
فقدته عيني إذا ما سعى أت
رابه من جماعة الأتراب
إن غدا موحشا لداري فقد أص
بح أنس الثرى وزين التراب
أحمد الله يا حبيبي فإني
بك راج منه عظيم الثواب
ثم ناشدني ألا أذاكره بشيء مما جئت إليه، فقمت ولم أخاطبه بحرف.
دخل سعيد بن وهب على الفضل بن يحيى في يوم قد جلس فيه للشعراء، فجعلوا ينشدونه ويأمر لهم بالجوائز حتى لم يبق منهم أحد، فالتفت إلى سعيد بن وهب كالمستنطق؛ فقال له: أيها الوزير، إني ما كنت استعددت لهذه الحال، ولا تقدمت لها عندي مقدمة فأعرفها، ولكن قد حضرني بيتان أرجو أن ينوبا عن قصيدة؛ فقال: هاتهما، فرب قليل أبلغ من الكثير؛ فقال سعيد:
مدح الفضل نفسه بالمعالي
فعلا عن مديحنا بالمقال
أمروني بمدحه قلت كلا
كبر الفضل عن مديح الرجال
قال: فطرب الفضل وقال له: أحسنت والله وأجدت، ولئن قل القول ونزر، لقد اتسع المعنى وكثر، ثم أمر له بمثل ما أعطاه كل من أنشده مديحا يومئذ، وقال: لا خير فيما يجيء بعد بيتيك، وقام من المجلس، وخرج الناس يومئذ بالبيتين لا يتناشدون سواهما.
وحدث الخريمي قال: كان الفضل بن يحيى ينافس أخاه جعفرا وينافسه جعفر، وكان أنس بن أبي شيخ خاصا بجعفر، ينادمه ويأنس به في خلواته، وكان سعيد بن وهب بهذه المنزلة للفضل، فدخلت يوما إلى جعفر ودخل إليه سعيد بن وهب فحدثه وأنشده وتنادر له، وحكى عن المتنادرين وأتى بكل ما يسر ويطرب ويضحك، وجعفر ينظر إليه لا يزيد على ذلك، فلما خرج سعيد من عنده تجاهلت عليه وقلت له: من هذا الرجل الكثير الهذيان؟ قال: أو ما تعرفه؟ قلت: لا؛ قال: هذا سعيد بن وهب صديق أخي أبي العباس وخلصانه وعشيقه؛ قلت: وأي شيء رأى فيه؟ قال: لا شيء والله إلا القذر والبرد والغثاثة، ثم دخلت بعد ذلك إلى الفضل، ودخل أنس بن أبي شيخ فحدث وندر وحكى عن المضحكين وأتى بكل طريفة، فكانت قصة الفضل معه قصة جعفر مع سعيد، فقلت له بعد أن خرج من حضرته: من هذا المبرم؟ قال: أو لا تعرفه؟ قلت: لا؛ قال: هذا أنس بن أبي شيخ صديق أخي الفضل وعشيقه وخاصته، قلت: وأي شيء أعجبه فيه؟ قال: لا أدري والله إلا القذر والبرد وسوء الاختيار؛ قال: وأنا والله أعرف بسعيد وأنس من الناس جميعا، ولكني تجاهلت عليهما وساعدتهما على هواهما.
وحدث عمرو بن بانة قال: كان في جواري رجل من البرامكة، وكانت له جارية شاعرة ظريفة يقال لها حسناء، يدخل إليها الشعراء ويسألونها عن المعاني، فتأتي بكل مستحسن من الجواب؛ فدخل إليها سعيد بن وهب يوما وجلس إليها فحادثها طويلا ثم قال لها بعد ذلك:
حاجيتك يا حسنا
ء في جنس من الشعر
وفيما طوله شبر
وقد يوفى على الشبر
له في رأسه شق
نطوف بالندى يجري
إذا ما جف لم يجر
لدى بر ولا بحر
وإن بل أتى بالع
جب العاجب والسحر
أجيبي لم أرد فحشا
ورب الشفع والوتر
ولكن صغت أبياتا