تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دنس الثياب وعرضه مغسول

وكان فيه ميل إلى العزلة والانقطاع عن الناس شأن الفلاسفة؛ ومن ذلك قوله:

أنست بوحدتي ولزمت بيتي

فتم العز لي ونما السرور

وأدبني الزمان فليت أني

هجرت فلا أزار ولا أزور

ولست بقائل ما دمت حيا

أقام الجند أم نزل الأمير

وهو القائل:

إذا لم تستطع شيئا فدعه

وجاوزه إلى ما تستطيع

وله قصيدة حكمية أخلاقية بديعة، وهي التي يقول فيها:

المرء يجمع والزمان يفرق

ويظل يرقع والخطوب تمزق

ولأن يعادي عاقلا خير له

من أن يكون له صديق أحمق

فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا

إن الصديق على الصديق مصدق

وزن الكلام إذا نطقت فإنما

يبدي عقول ذوي العقول المنطق

ومن الرجال إذا استوت أخلاقهم

من يستشار إذا استشير فيطرق

حتى يحل بكل واد قلبه

فيرى ويعرف ما يقول فينطق

لا ألفينك ثاويا في غربة

إن الغريب بكل سهم يرشق

وله منها:

ما الناس إلا عاملان فعامل

قد مات من عطش وآخر يغرق

والناس في طلب المعاش وإنما

بالجد يرزق منهم من يرزق

لو يرزقون الناس حسب عقولهم

ألفيت أكثر من ترى يتصدق

لكنه فضل المليك عليهم

هذا عليه موسع ومضيق

وإذا الجنازة والعروس تلاقيا

ورأيت دمع نوائح يترقرق

سكت الذي تبع العروس مبهتا

ورأيت من تبع الجنازة ينطق

بقي الذين إذا يقولوا يكذبوا

ومضى الذين إذا يقولوا يصدقوا

وله من قصيدته المعروفة بالزينبية:

وابدأ عدوك بالتحية ولتكن

منه زمانك خائفا تترقب

واحذره إن لاقيته متبسما

فالليث يبدو نابه إذ يغضب

إن العدو وإن تقادم عهده

فالحقد باق في الصدور مغيب

وإذا الصديق لقيته متملقا

فهو العدو وحقه يتجنب

لا خير في ود امرئ متملق

حلو اللسان وقلبه يتلهب

يلقاك يحلف أنه بك واثق

وإذا توارى عنك فهو العقرب

يعطيك من طرف اللسان حلاوة

ويروغ منك كما يروغ الثعلب

وصل الكرام وإن رموك بجفوة

فالصفح عنهم والتجاوز أصوب

واختر قرينك واصطفيه تفاخرا

إن القرين إلى المقارن ينسب

إن الغني من الرجال مكرم

وتراه يرجى ما لديه ويرهب

ويبش بالترحيب عند قدومه

ويقام عند سلامه ويقرب

والفقر شين للرجال فإنه

حقا يهون به الشريف الأنسب

واخفض جناحك للأقارب كلهم

بتذلل واسمح لهم إن أذنبوا

ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا

إن الكذوب يشين حرا يصحب

وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن

ثرثارة في كل ناد تخطب

واحفظ لسانك واحترز من لفظه

فالمرء يسلم باللسان ويعطب

والسر فاكتمه ولا تنطق به

إن الزجاجة كسرها لا يشعب

وكذاك سر المرء إن لم يطوه

نشرته ألسنة تزيد وتكذب

لا تحرصن فالحرص ليس بزائد

في الرزق بل يشقي الحريص ويتعب

وارع الأمانة والخيانة فاجتنب

واعدل ولا تظلم يطب لك مكسب

وإذا أصابك نكبة فاصبر لها

من ذا رأيت مسلما لا ينكب

وإذا رميت من الزمان بريبة

أو نالك الأمر الأشق الأصعب

فاضرع لربك إنه أدنى لمن

يدعوه من حبل الوريد وأقرب

واحذر مصاحبة اللئيم فإنه

يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب

واحذر من المظلوم سهما صائبا

واعلم بأن دعاءه لا يحجب

ولقد نصحتك إن قبلت نصيحتي

والنصح أغلى ما يباع ويوهب (16) سعيد بن وهب

195

كان شاعرا مطبوعا ومات في أيام المأمون، وأكثر شعره في الغزل والتشبيب بالمذكر، وكان مشغوفا بالغلمان والشراب، ثم تنسك وتاب وحج راجلا على قدميه ومات على توبة وإقلاع ومذهب جميل، ومات وأبو العتاهية حي وكان صديقه فرثاه.

أخبر علي بن سليمان الأخفش عن محمد بن مزيد قال: حدثت عن بعض أصحاب أبي العتاهية قال: جاء رجل إلى أبي العتاهية ونحن عنده، فساره في شيء، فبكى أبو العتاهية، فقلنا له: ما قال لك هذا الرجل يا أبا إسحاق فأبكاك؟ فقال - وهو يحدثنا لا يريد أن يقول شعرا:

قال لي مات سعيد بن وهب

رحم الله سعيد بن وهب

يا أبا عثمان أبكيت عيني

يا أبا عثمان أوجعت قلبي

قال: فعجبنا من طبعه، وإنه يحدث فكان حديثه شعرا موزونا.

وكان سعيد بن وهب الشاعر البصري مولى بني سامة قد تاب وتزهد وترك قول الشعر، وكان له عشرة من البنين وعشر من البنات، فكان إذا وجد شيئا من شعره خرقه وأحرقه، وكان امرأ صدق، كثير الصلاة، يزكي في كل سنة عن جميع ما عنده، حتى إنه ليزكي عن فضة كانت على امرأته.

عصر المأمون · الصفحة ٣٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٤٩