تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وحسبك من راع له ومدبر

ترى الناس إجلالا له وكأنهم

غرانيق

192

ماء تحت باز مصرصر

193

ولما فرغ منها أتبع ذلك قوله: «كانوا أولياءك يا أمير المؤمنين لما مدحتهم» فأمر الرشيد أن يلطم، فلطموه، وأمر أن يسحب، فسحبوه، وخرج لا يلوي على شيء؛ فلقيه أبو نواس فدفع إليه صرة فيها ثلثمائة دينار، وقال له: استعن بهذه واعذرني. ولم يعد ابن مناذر يرى خيرا بعد البرامكة.

قال الحسن بن علي كنا عند باب سفيان بن عيينة وقد هرب منا وعنده الحسن بن علي التختاخ ورجل من أصحاب الرشيد، فخلا بهم وليس يأذن لنا، فجاء ابن مناذر فقرب من الباب ثم رفع صوته فقال:

بعمرو وبالزهري والسلف الألى

بهم ثبتت رجلاك عند المقادم

جعلت طوال الدهر يوما لصالح

ويوما لصباح ويوما لحاتم

وللحسن التختاخ يوما ودونهم

خصصت حسينا دون أهل المواسم

نظرت وطال الفكر فيك فلم أجد

رحاك جرت إلا لأخذ الدراهم

فخرج سفيان وفي يده عصا وصاح: خذوا الفاسق؛ فهرب ابن مناذر منه وأذن لنا فدخلنا.

كان الرشيد قد وصل ابن مناذر مرات صلات سنية، فلما مات الرشيد رثاه بقوله:

من كان يبكي للعلا

ملكا وللهمم الشريفه

فليبك هارون الخلي

فة للخليفة للخليفه

قال علي بن محمد النوفلي: رأيت ابن مناذر في الحج سنة ثمان وتسعين ومائة وهو قد كف بصره تقوده جويرية حرة وهو واقف يشتري ماء قربة، فرأيته وسخ الثوب والبدن، فلما صرنا إلى البصرة أتتنا وفاته في تلك الأيام.

كان يحيى بن زياد يرمى بالزندقة، وكان من أظرف الناس وأنظفهم، فكان يقال: أظرف من الزنديق، وكان الحاركي، واسمه محمد بن زياد، يظهر الزندقة تظارفا؛ فقال فيه ابن مناذر:

يابن زياد يا أبا جعفر

أظهرت دينا غير ما تخفي

مزندق الظاهر باللفظ في

باطن إسلام فتى عف

لست بزنديق ولكنما

أردت أن توسم بالظرف

ومن قوله يرثي سفيان بن عيينة:

يجني من الحكمة نوارها

ما تشتهي الأنفس ألوانا

يا واحد الأمة في علمه

لقيت من ذي العرش غفرانا

راحوا بسفيان على نعشه

والعلم مكسوين أكفانا

إن الذي غودر بالمنحنى

هد من الإسلام أركانا

لا يبعدنك الله من ميت

ورثنا علما وأحزانا

خطب أبو أمية امرأة من ثقيف فرد عنها، وتصدى للقاضي أن يضمنه مالا من أموال اليتامى فلم يجبه إلى ذلك ولم يثق به؛ فقال فيه ابن مناذر:

أبا أمية لا تغضب علي فما

جزاء ما كان فيما بيننا الغضب

إن كان ردك قوم عن فتاتهم

ففي كثير من الخطاب قد رغبوا

قالوا عليك ديون ما تقوم بها

في كل عام بها تستحدث الكتب

وقد تقحم من خمسين غايتها

مع أنه ذو عيال بعد ما انشعبوا

وفي التي فعل القاضي فلا تجدن

فليس في تلك لي ذنب ولا ذنب

أردت أموال أيتام تضمنها

وما يضمن إلا من له نشب

قال له جعفر بن يحيى قل في وفي الرشيد شعرا تصف فيه الألفة بيننا، فقال:

قد تقطع الرحم القريب وتكفر الن

عمى ولا كتقارب القلبين

يدني الهوى هذا ويدني ذا الهوى

فإذا هما نفس ترى نفسين (15) صالح بن عبد القدوس

194

كان متهما بالزندقة، فبلغ إلى المهدي خبر زندقته، فبعث إليه يستقدمه من دمشق، وكان قد رحل إليها وهو شيخ طاعن في السن، فلما جاء بغداد ومثل بين يدي المهدي قال له المهدي: ألست القائل:

والشيخ لا يترك أخلاقه

حتى يوارى في ثرى رمسه

قال: بلى يا أمير المؤمنين! قال: وأنت لا تترك أخلاقك حتى تموت؛ فأمر به، فقتل وصلب على جسر بغداد سنة 167ه. وأكثر شعره في الحكم الفلسفية.

ومن أحاسن أقواله القصيدة التي منها ذلك البيت، وهو يقول فيها:

لا يبلغ الأعداء من جاهل

ما يبلغ الجاهل من نفسه

والشيخ لا يترك أخلاقه

حتى يوارى في ثرى رمسه

إذا ارعوى عاد إلى جهله

كذى الضنا عاد إلى نكسه

وإن من أدبته في الصبا

كالعود يسقى الماء في غرسه

حتى تراه مورقا ناضرا

بعد الذي أبصرت من يبسه

وقوله:

لا يعجبنك من يصون ثيابه

حذر الغبار وعرضه مبذول

ولربما افتقر الفتى فرأيته

عصر المأمون · الصفحة ٣٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٤٨