قلبي إلى ما ضرني داعي
يكثر أسقامي وأوجاعي
كيف احتراسي من عدوي إذا
كان عدوي بين أضلاعي
أسلمني للحب أشياعي
لما سعى بي عندها الساعي
لقلما أبقى على كل ذا
يوشك أن ينعاني الناعي
ومما غنى فيه من شعره:
أبكي الذين أذاقوني مودتهم
حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
وقال إبراهيم بن العباس: ما رأيت كلاما محدثا أجزل في رقة، ولا أصعب في سهولة، ولا أبلغ في إيجاز، من قول العباس بن الأحنف:
تعالي نجدد دارس العهد بيننا
كلانا على طول الجفاء ملوم
وأنشد إبراهيم بن العباس للأحنف:
إن قال لم يفعل وإن سيل لم
يبذل وإن عوتب لم يعتب
صب بعصياني ولو قال لي
لا تشرب البارد لم أشرب
إليك أشكو رب ما حل بي
من صد هذا المذنب المغضب
ثم قال: هذا والله الكلام الحسن المعنى، السهل المورد، القريب المتناول، المليح اللفظ، العذب المستمع.
ومما غنى فيه من شعره:
نام من أهدى لي الأرقا
مستريحا سامني قلقا
لو يبيت الناس كلهم
بسهادي بيض الحدقا
كان لي قلب أعيش به
فاصطلى بالحب فاحترقا
أنا لم أرزق مودتكم
إنما للعبد ما رزقا
وقال ابن المعتز: لو قيل: ما أحسن شيء تعرفه لقلت: شعر العباس بن الأحنف:
قد سحب الناس أذيال الظنون بنا
وفرق الناس فينا قولهم فرقا
فكاذب قد رمى بالحب غيركم
وصادق ليس يدري أنه صدقا
ومما تمثل به الفضل بن الربيع في أمر كان بينه وبين إحدى جواريه:
تحمل عظيم الذنب ممن تحبه
وإن كنت مظلوما فقل أنا ظالم
فإنك إلا تغفر الذنب في الهوى
يفارقك من تهوى وأنفك راغم
أنشد مخلد الموصلي قصيدته التي يقول فيها:
كل شيء أقوى عليه ولكن
ليس لي بالفراق منك يدان
فجعل يستحسنه ويردده؛ فقال له عبد الله بن ربيعة الرقي: أنت الفداء لمن ابتدأ هذا المعنى فأحسن فيه حيث يقول - وهو العباس بن الأحنف:
سلبتني من السرور ثيابا
وكستني من الهموم ثيابا
كلما أغلقت من الوصل بابا
فتحت لي إلى المنية بابا
عذبيني بكل شيء سوى الصد
فما ذقت كالصدود عذابا
قال الرياشي - وقد ذكر عنده العباس بن الأحنف: والله لو لم يقل من الشعر إلا هذين البيتين لكفيا:
أحرم منكم بما أقول وقد
نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالة نصبت
تضيء للناس وهي تحترق
ألف الرشيد العباس بن الأحنف، فلما خرج إلى خراسان طال مقامه بها، ثم خرج إلى أرمينية والعباس معه، فاشتاق إلى بغداد، فعارضه في طريقه، فأنشده:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا
ثم القفور فقد جئنا خراسانا
ما أقدر الله أن يدني على شحط
سكان دجلة من سكان جيحانا
مضى الذي كنت أرجوه وآمله
أما الذي كنت أخشاه فقد كانا
عين الزمان أصابتنا فلا نظرت
وعذبت بصنوف الهجر ألونا
فقال له الرشيد: قد اشتقت يا عباس، وأذنت لك خاصة، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
وقال مصعب الزبيري: العباس بن الأحنف وعمر بن أبي ربيعة ما ابتذلا شعرهما في رغبة ولا رهبة، ولكن فيما أحباه، فلزما فنا واحدا لو لزمه غيرهما ممن يكثر إكثارهما لضعف فيه. (14) ابن مناذر
191
كان ينحو نحو عدي بن زيد في شعره، ويميل إليه ويقدمه، وقد مدح آل برمك وغيرهم. ولما نكبت البرامكة وآلت الوزارة إلى عدوهم الفضل بن الربيع أصبح شعراء البرامكة في خطر، فأراد ابن مناذر أن يتقرب إلى الرشيد طلبا للرزق، فاغتنم ذهابه إلى الحج وتقدم إليه يوم التروية بقصيدة، فلاح البشر في وجه الرشيد؛ فقال الفضل بن الربيع للرشيد: هذا شاعر البرامكة! فعبس الرشيد؛ فقال الفضل: مره أن ينشدك قوله فيهم: أتانا بنو الأملاك من آل برمك؛ فأمره، فاعتذر، فألح عليه، فأنشده هذه القصيدة التي يطري بها البرامكة:
أتانا بنو الأملاك من آل برمك
فيا طيب أخبار ويا حسن منظر
إذا وردوا بطحاء مكة أشرقت
بيحيى وبالفضل بن يحيى وجعفر
فتظلم بغداد ويجلو لنا الدجى
بمكة ما حجوا ثلاثة أقمر
فما صلحت إلا لجود أكفهم
وأرجلهم إلا لأعواد منبر
إذا راض يحيى الأمر ذلت صعابه