أملي رضاك وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلة
صد الملول خلاف صد العاتب
وأنشد له الأصمعي:
أتأذنون لصب في زيارتكم
فعندكم شهوات السمع والبصر
لا يضمر السوء إن طال الجلوس به
عف الضمير ولكن فاسق النظر
فقال: ما زال هذا الفتى يدخل يده في جرابه فلا يخرج شيئا حتى أدخلها فأخرج هذا، ومن أدمن طلب شيء ظفر ببعضه.
وقال سعيد بن جنيد: ما أعرف أحسن من شعر العباس في إخفاء أمره حيث يقول:
أريدك بالسلام فأتقيهم
فأعمد بالسلام إلى سواك
وأكثر فيهم ضحكي ليخفى
فسني ضاحك والقلب باك
ومما تمثل به الواثق في شر كان بينه وبين بعض جواريه:
عدل من الله أباكني وأضحكها
فالحمد لله عدل كل ما صنعا
اليوم أبكي على قلبي وأندبه
قلب ألح عليه الحب فانصدعا
ومما تمثل به أيضا في مثل ذلك:
أما تحسبيني أرى العاشقين
بلى ثم لست أرى لي نظيرا
لعل الذي بيديه الأمور
سيجعل في الكره خيرا كثيرا
وقال الزبير: ابن الأحنف أشعر الناس في قوله:
تعتل بالشغل عنا ما تكلمنا
الشغل للقلب ليس الشغل للبدن
ويقول: لا أعلم شيئا من أمور الدنيا خيرها وشرها إلا وهو يصلح أن يتمثل فيه بهذا النصف الأخير.
وقال إسحاق: لقد ظرف ابن الأحنف في قوله - يصف طول عهده بالنوم:
قفا خبراني أيها الرجلان
عن النوم إن الهجر عنه نهاني
وكيف يكون النوم أم كيف طعمه
صفا النوم لي إن كنتما تصفان
على قلة إعجابه بمثل هذه الأشعار.
قال أحمد بن إبراهيم: رأيت سلمة بن عاصم ومعه شعر العباس بن الأحنف، وقلت مثلك أعزك الله يحمل هذا! فقال: ألا أحمل شعر من يقول:
أسأت إذ أحسنت ظني بكم
والحزم سوء الظن بالناس
يقلقني الشوق فآتيكم
والقلب مملوء من الياس
وقال أحمد بن إبراهيم: أتاني أعرابي فصيح ظريف، فجعلت أكتب عنه أشياء حسانا، ثم قال: أنشدني لأصحابكم الحضريين، فأنشدته للعباس بن الأحنف:
ذكرتك بالتفاح لما شممته
وبالراح لما قابلت أوجه الشرب
تذكرت بالتفاح منك سوالفا
وبالراح طعما من مقبلك العذب
فقال: هذا عندك وأنت تكتب عني! لا أنشدك حرفا بعد هذا.
وقال عبد الله بن العباس بن الفضل: ما أعرف في العراق أحسن من قول ابن الأحنف:
سبحان رب العلا ما كان أغفلني
عما رمتني به الأيام والزمن
من لم يذق فرقة الأحباب ثم يرى
أثارهم بعدهم لم يدر ما الحزن
قال حسين بن الضحاك: لو جاء العباس بقول ما قاله في بيتين في أبيات لعذر، وهو قوله:
لعمرك ما يستريح المحب
حتى يبوح بأسراره
فقد يكتم المرء أسراره
فتظهر في بعض أشعاره
ثم قال: أما قوله في هذا المعنى الذي لم يتقدمه فيه أحد فهو:
الحب أملك للفؤاد بقهره
من أن يرى للستر فيه نصيب
وإذا بدا سر اللبيب فإنه
لم يبد إلا والفتى مغلوب
وقال أبو العتاهية: ما حسدت أحدا إلا العباس بن الأحنف في قوله:
إذا امتنع القريب فلم تنله
على قرب فذاك هو البعيد
وقال الكندي: العباس بن الأحنف مليح ظريف حكيم جزل في شعره، وكان قليلا ما يرضيني الشعر، فكان ينشد له كثيرا:
ألا تعجبون كما أعجب
حبيب يسيء ولا يعتب
وأبغي رضاه على سخطه
فيأبى علي ويستصعب
فيا ليت حظي إذا ما أسأ
ت أنك ترضى ولا تغضب
وكان إبراهيم الموصلي مشغوفا بشعر العباس فيغني في كثير من شعره، فمما غنى فيه:
وقد ملئت ماء الشباب كأنها
قضيب من الريحان ريان أخضر
هم كتموني سيرهم حين أزمعوا
وقالوا اتعدنا للرواح وبكروا
ومنه:
تمنى رجال ما أحبوا وإنما
تمنيت أن أشكو إليك وتسمعا
أرى كل معشوقين غيري وغيرها
قد استعذبا طول الهوى وتمتعا
ومنه:
بكت عيني لأنواع
من الحزن وأوجاع
وإني كل يوم عن
دكم يحظى بي الساعي
أعيش الدهر إن عشت
بقلب منك مرتاع
وإن حل بي البعد
سينعاني لك الناعي
وقال الواثق لجلسائه: أريد أن أصنع لحنا في شعر معناه أن الإنسان كائنا من كان لا يقدر على الاحتراس من عدوه، فهل تعرفون في هذا شيئا؟ فأنشدوه ضروبا من الأشعار، فقال: ما جئتم بشيء مثل قول العباس بن الأحنف: