صلى الله عليه وسلم
يحميها ويذب عنها ويصونها لغير حال أحلت ذلك منهم. فما زالوا به يعظونه ويقولون له كل قول حتى أمسك عن المناقضة لمسلم فانقطعت.
ولمسلم بن الوليد:
وإني وإسماعيل يوم وداعه
لكالغمد يوم الروع فارقه النصل
أما والحبالات الممرات بيننا
وسائل أدتها المودة والوصل
لما خنت عهدا من إخاء ولا نأى
بذكرك نأي عن ضميري ولا شغل
وإني في مالي وأهلي كأنني
لنأيك لا مال لدي ولا أهل
يذكرنيك الدين والفضل والحجا
وقيل الخنا والحلم والعلم والجهل
فألفاك عن مذمومها متنزها
وألقاك في محمودها ولك الفضل
وأحمد من أخلاقك البخل إنه
بعرضك لا بالمال حاشا لك البخل
أمنتجعا مروا بأثقال همة
دع الثقل واحمل حاجة ما لها ثقل
ثناء كعرف الطيب يهدى لأهله
وليس له إلا بني خالد أهل
فإن أغش قوما بعدهم أو أزورهم
فكالوحش يستدنيه للقنص المحل
وله يرثي يزيد بن مزيد:
أحق إنه أودي يزيد
تأمل أيها الناعي المشيد
أتدري من نعيت فكيف فاهت
به شفتاك كان به الصعيد
أحامي المجد والإسلام أودي
فما للأرض ويحك لا تميد
تأمل هل ترى الإسلام مالت
دعائمه وهل شاب الوليد
وهل شميت سيوف بني نزار
وهل وضعت عن الخيل اللبود
وهل تسقي البلاد عشار مزن
بدرتها وهل يخضر عود
أما هدت لمصرعه نزار
بلى وتقوض المجد المشيد
وحل ضريحه إذ حل فيه
طريف المجد والحسب التليد
أما والله ما تنفك عيني
عليك بدمعها أبدا تجود
فإن تجمد دموع لئيم قوم
فليس لدمع ذي حسب جمود
أبعد يزيد تختزن البواكي
دموعا أو تصان لها خدود
لتبكك قبة الإسلام لما
وهت أطنابها ووهى العمود
ويبكك شاعر لم يبق دهر
له نشبا وقد كسد القصيد
فمن يدعو الإمام لكل خطب
ينوب وكل معضلة تئود
ومن يحمي الخميس إذا تعايا
بحيلة نفسه البطل النجيد
فإن تهلك يزيد فكل حي
فريس للمنية أو طريد
ألم تعجب له أن المنايا
فتكن به وهن له جنود
لقد عزى ربيعة أن يوما
عليها مثل يومك لا يعود (13) العباس بن الأحنف
190
قال إبراهيم بن العباس يصفه: كان والله ممن إذا تكلم لم يحب سامعه أن يسكت، وكان فصيحا جميلا ظريف اللسان، لو شئت أن تقول كلامه كله شعر لقلت.
وقال صالح بن عبد الوهاب: كان العباس من عرب خراسان ومنشؤه ببغداد، ولم تزل العلماء تقدمه على كثير من المحدثين، ولا تزال قد ترى له الشيء البارع جدا حتى تلحقه بالمحسنين.
وقال الجاحظ: لولا أن العباس بن الأحنف أحذق الناس وأشعرهم، وأوسعهم كلاما وخاطرا، ما قدر أن يكثر شعره في مذهب واحد لا يجاوزه، لأنه لا يهجو ولا يمدح ولا يتكسب ولا يتصرف، وما نعلم شاعرا لزم فنا واحدا لزومه فأحسن فيه وأكثر.
أنشد الحرمازي للعباس بن الأحنف:
لا جزى الله دمع عيني خيرا
وجزى الله كل خير لساني
نم دمعي فليس يكتم شيئا
ورأيت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طي
فاستدلوا عليه بالعنوان
ثم قال: هذا والله طراز يطلب الشعراء مثله فلا يقدرون عليه.
وكان أبو الهذيل العلاف يبغضه ويلعنه لقوله:
إذا أردت سلوا كان ناصركم
قلبي وما أنا من قلبي بمنتصر
فأكثروا أو أقلوا من إساءتكم
فكل ذلك محمول على القدر
فكان أبو الهذيل يلعنه ويقول: يعقد الكفر والفجور في شعره، فقال العباس - وقال محمد بن يحيى: وأظن أن يهجو به أبا الهذيل وما سمعت للعباس هجاء غيره:
يا من يكذب أخبار الرسول لقد
أخطأت في كل ما تأتي وما تذر
كذبت بالقدر الجاري عليك فقد
أتاك مني بما لا تشتهي القدر
قيل للأصمعي: ما أحسن ما تحفظ للمحدثين؟ قال: قول العباس بن الأحنف:
لو كنت عاتبة لسكن روعتي
أملي رضاك وزرت غير مراقب
لكن مللت فلم تكن لي حيلة
صد الملول خلاف صد العاتب
ومما أنشده له إبراهيم بن العباس:
قالت ظلوم سمية الظلم
مالي رأيتك ناحل الجسم
يا من رمى قلبي فأقصده
أنت العليم بموضع السهم
ولشعره الغزلي، وقع في النفس، فإنهم كانوا يغنون كثيرا منه كقوله:
لو كنت عاتبة لسكن روعتي