لا ينكلون ولا يؤتون من نكل
خلفت أجسادهم والطير عاكفة
فيها وأقفلتهم هاما مع القفل
فافخر فما لك في شيبان من مثل
كذاك ما لبنى شيبان من مثل
كم مشهد لك لا تحصى مآثره
قسمت فيه كرزق الإنس والخبل
لله من هاشم في أرضه جبل
وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل
قد أعظموك فما تدعي لهينة
إلا لمعضلة تستن
157
بالعضل
يا رب مكرمة أصبحت واحدها
أعيت صناديد راموها فلم تنل
تشاغل الناس بالدنيا وزخرفها
وأنت من بذلك المعروف في شغل
أقسمت ما ذب عن جدواك طالبها
ولا دفعت اعتزام الجد بالهزل
يأبى لسانك منع الجود سائله
فما يلجلج بين الجود والبخل
صدقت ظني وصدقت الظنون به
وحط جودك عقد الرحل عن جملي
فقال له يزيد: قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم فاقبضها واعذر؛ فخرج الحاجب فقال لمسلم: قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم: خمسون ألفا منها لك وخمسون ألفا لنفقته، فأعطاه إياها. وكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرشيد، فأمر ليزيد بمائتي ألف درهم وقال: اقض الخمسين ألفا التي أخذها الشاعر وزده مثلها، وخذ مائة ألف لنفقتك، فافتك ضيعته وأعطى مسلما خمسين ألفا أخرى. ولما أنشده «لا يعبق الطيب» البيت. قال لجاريته: حرم علينا مسلم الطيب.
كان دواد بن يزيد بن حاتم المهلبي يجلس للشعراء في السنة مجلسا واحدا، فيقصدونه لذلك اليوم وينشدونه، فوجه إليه مسلم راويته بقصيدته التي أولها: «لا تدع بي الشوق» فقدم عليه يوم جلوسه للشعراء ولحقه بعقب خروجهم عنه، فتقدم إلى الحاجب وحسر لثامه عن وجهه، ثم قال له: استأذن لي على الأمير؛ قال: ومن أنت؟ قال: شاعر، قال: قد انصرم وقتك وانصرف الشعراء وهو على القيام؛ فقال له: ويحك! إني قد وفدت على الأمير بشعر ما قالت العرب مثله، وكان مع الحاجب أدب يفهم به ما يسمع، فقال: هات حتى أسمع، فإن كان الأمر كما ذكرت أوصلتك إليه؛ فأنشده بعض القصيدة، فسمع شيئا يقصر عنه الوصف، فدخل على دواد فقال له: قدم على الأمير شاعر بشعر ما قيل فيك مثله؛ فقال: أدخل قائله؛ فلما مثل بين يديه سلم وقال: قدمت على الأمير - أعزه الله - بمدح يسمعه فيعلم تقدمي على غيري ممن امتدحه؛ فقال: هات، فلما افتتح القصيدة وقال: «لا تدع بي الشوق» استوى جالسا وأطرق حتى أتى الرجل على آخر الشعر، ثم رفع رأسه إليه فقال: أهذا شعرك ؟ قال: نعم أيها الأمير؛ قال: في كم قلته يا فتى؟ قال: في أربعة أشهر أبقاك الله؛ قال: لو قلته في ثمانية أشهر لكنت محسنا، وقد اتهمتك، لجودة شعرك وخمول ذكرك، فإن كنت قائل هذا الشعر فقد أنظرتك أربعة أشهر في مثله، وأمرت بالإجراء عليك، فإن جئتنا بمثل هذا الشعر وهبت لك مائة ألف درهم وإلا حرمتك، فقال: أو الإقالة أعز الله الأمير، قال: قد أقلتك؛ قال: الشعر لمسلم بن الوليد وأنا راويته والوافد عليك بشعره؛ فقال: أنا ابن حاتم، إنك لما افتتحت شعره فقلت: «لا تدع بي الشوق إني غير معمود» سمعت كلام مسلم يناديني، فأجبت نداءه واستويت جالسا؛ ثم قال: يا غلام، أعطه عشرة آلاف درهم، واحمل الساعة إلى مسلم مائة ألف درهم. وهذه هي القصيدة:
لا تدع بي الشوق إني غير معمود
نهى النهى عن هوى الهيف الرعاديد
158
لو شئت لا شئت راجعت الصبا ومشت
في العيون وفاتتني بمجلود
159
سل ليلة الخيف هل أمضيت آخرها
بالراح تحت نسيم الخرد الغيد
شججتها بلعاب المزن فاغتزلت
160
نسجين من بين محلول ومعقود
كلا الجديدين قد أطعمت حبرته
161
لو آل حي إلى عمر وتخليد
أهلا بوافدة للشيب واحدة
وإن تراءت بشخص غير مودود
لا أجمع الحلم والصهباء قد سكنت
نفسي إلى الماء عن ماء العناقيد
لم ينهني فند
162
عنها ولا كبر
لكن صحوت وغصني غير مخضود
أوفى بي الحلم واقتاد النهى طلقا
شأوي وعفت الصبا من غير تفنيد
إذا تجافت بي الهمات عن بلد
نازعت أرضا ولم أحفل بتمهيد