ومسلم أول من تكلف البديع في شعره واستكثر منه في قوله، وسبقه بشار إلى ذلك إلا أنه لم يبلغ شأو مسلم فيه. وقد عد العلماء هذا التصنع والتكلف إفسادا للشعر، إذ قد تبعه في ذلك الشعراء مثل البحتري وأبي تمام وابن المعتز وغيرهم.
وقد مزج مسلم كلام البدويين بكلام الحضريين، فضمنه المعاني اللطيفة، وكساه الألفاظ الظريفة، فله جزالة البدويين، ورقة الحضريين.
لقي مسلم أبا نواس فقال له: ما أعرف لك بيتا إلا فيه سقط؛ قال له: فما تحفظ من ذلك؟ قال: قل أنت ما شئت حتى أريك سقطك فيه؛ فأنشد:
ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا
وأمله ديك الصباح صياحا
فقال له مسلم: فلم أمله وهو الذي أذكره وبه ارتاح؟ فقال أبو نواس: فأنشدني شيئا من شعرك ليس فيه خلل؛ فأنشده مسلم:
عاصى الشباب فراح غير مفند
وأقام بين عزيمة وتجلد
فقال له أبو نواس: قد جعلته رائحا مقيما في حالة واحدة وبيت واحد، فتشاغبا وتسابا ساعة. وكلا البيتين صحيح المعنى.
اجتمع أصحاب المأمون عنده يوما فأفاضوا في ذكر الشعر والشعراء، فقال له بعضهم: أين أنت يا أمير المؤمنين من مسلم بن الوليد؟ قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول وقد رثى رجلا:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه
فطيب تراب القبر دل على القبر
وحيث مدح رجلا بالشجاعة فقال:
يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها
والجود بالنفس أقصى غاية الجود
وهجا رجلا بقبح الوجه والأخلاق فقال:
قبحت مناظره فيحن خبرته
حسنت مناظره لقبح المخبر
وتغازل فقال:
هوى يجد وحبيب يلعب
أنت لقى بينهما معذب
فقال المأمون: هذا أشعر من خضتم اليوم في ذكره.
قال يزيد بن مزيد: أرسل إلي الرشيد يوما في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي، فأتيته لابسا سلاحي مستعدا لأمر إن أراده مني، فلما رآني ضحك إلي ثم قال: يا يزيد، خبرني من الذي يقول فيك:
تراه في الأمن في درع مضاعفة
لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
ضافي العنان طموح العين همته
فك العناة وأسر الفاتك الخطل
فقال: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال: سوءة لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا الشعر ولا يعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله، وهو مسلم بن الوليد! فانصرفت فدعوت به ووصلته ووليته.
وروي أنه دخل على الرشيد فقال له: يا يزيد، من الذي يقول فيك :
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه
ولا يمسح عينيه من الكحل
إذا انتضى سيفه كانت مسالكه
مسالك الموت في الأبدان والقلل
وإن خلت بحديث النفس فكرته
حي الرجاء ومات الخوف من وجل
كالليث إن هجته فالموت راحته
لا يستريح إلى الأيام والدول
فقال: لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين، فقال له هارون: أيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله! فخرج من عنده خجلا، فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال له: من بالباب من الشعراء؟ قال: مسلم بن الوليد؛ قال: وكيف حجبته عني، فلم تعلمني بمكانه! فقال: أخبرته أنك مضيق، وأنه ليس في يديك شيء تعطيه إياه، وسألته الإمساك والمقام أياما إلى أن تتسع؛ فأنكر ذلك وقال: أدخله، فأدخله إليه، فأنشده قوله فيه:
أجررت
134
حبل خليع في الصبا غزل
وشمرت همم العذال في عذلي
هاج البكاء على العين الطموح
135
هوى
مفرق بين توديع ومحتمل
كيف السلو لقلب راح مختبلا
يهذي بصاحب قلب غير مختبل
عاصى العزاء غداة البين منهمل
من الدموع جرى في إثر منهمل
لولا مداراة دمع العين لانكشف
مني سرائر لم تظهر ولم تخل
136
أما كفى البين أن أرمى بأسهمه
حتى رماني بلحظ الأعين النجل
مما جنى لي وإن كانت منى صدقت
صبابة خلس التسليم بالمقل
ماذا على الدهر لو لانت عريكته
ورد في الرأس مني سكرة الغزل
جرم الحوادث عندي أنها اختلست
مني بنات غذاء الكرم والكلل
137
ورب يوم من اللذات محتضر
138
قصرته بلقاء الراح والخلل
وليلة خلست للعين من سنة
هتكت فيها الصبا عن بيضة الحجل
قد كان دهري وما بي اليوم من كبر
شرب المدام وعزف القينة العطل