عرض للإدبار إقبالها
فقال له المأمون: ما أجود البيت الأول، فأما الثاني فما صنعت فيه شيئا، الدنيا تدبر عمن واسى منها أو ضن بها، وإنما توجب السماحة بها الأجر والضن بها الوزر، فقال: صدقت يا أمير المؤمنين، أهل الفضل أولى بالفضل وأهل النقص أولى بالنقص، فلما كان بعد أيام عاد فأنشده:
كم غافل أودى به الموت
لم يأخذ الأهبة للفوت
من لم تزل نعمته قبله
زال عن النعمة بالموت
فقال له: أحسنت، طيبت المعنى، وأمر له بعشرين ألف درهم.
كان أبو العتاهية يحج كل سنة، فإذا قدم أهدى إلى المأمون بردا ومطرفا ونعلا سوداء ومساويك أراك، فيبعث إليه بعشرين ألف درهم، فأهدى مرة له كما كان يهدي كل سنة إذا قدم، فلم يثبه ولا بعث إليه بالوظيفة، فكتب إليه أبو العتاهية:
خبروني أن من ضرب السنه
جددا بيضا وصفرا حسنه
أحدثت لكنني لم أرها
مثل ما كنت أرى كل سنه
فأمر المأمون بحمل العشرين الألف وقال: أغفلناه حتى ذكرنا.
أنشد المأمون بيت أبي العتاهية يخاطب سلما الخاسر:
تعالى الله يا سلم بن عمرو
أذل الحرص أعناق الرجال
فقال المأمون: إن الحرص لمفسد للدين والمروءة، والله ما عرفت من رجل قط حرصا ولا شرها فوجدت فيه مصطنعا، فبلغ ذلك سلما فقال: ويلي على الجرار الزنديق جمع الأموال وكنزها وعبأ البدور في بيته ثم تزهد مراءاة ونفاقا، فأخذ يهتف بي إذا تصديت للطلب.
كان الرشيد مما يعجبه غناء الملاحين في الزلالات إذا ركبها، وكان يتأذى بفساد كلامهم ولحنهم، فقال: قولوا لمن معنا من الشعراء: يعملوا لهؤلاء شعرا يغنون فيه، فقيل: ليس أحد أقدر على هذا من أبي العتاهية وهو في الحبس، فوجه إليه الرشيد: قل شعرا حتى أسمعه منهم، ولم يأمر بإطلاقه، فغاظه ذلك وقال: والله لأقولن شعرا يحزنه ولا يسر به، فعمل شعرا ودفعه إلى من حفظه من الملاحين، فلما ركب الحراقة سمعه، وهو:
خانك الطرف الطموح
أيها القلب الجموح
لدواعي الخير والش
ر دنو ونزوح
هل لمطلوب بذنب
توبة منه نصوح
كيف إصلاح قلوب
إنما هن قروح
أحسن الله بنا
إن الخطايا لا تفوح
فإذا المستور منا
بين ثوبيه فضوح
كم رأينا من عزيز
طويت عنه الكشوح
صاح منه برحيل
صائح الدهر الصدوح
موت بعض الناس في الأر
ض على قوم فتوح
سيصير المرء يوما
جسدا ما فيه روح
بين عيني كل حي
علم الموت يلوح
كلنا في غفلة وال
موت يغدو ويروح
لبني الدنيا من الدن
يا غبوق وصبوح
رحن في الوشى وأصبح
ن عليهن المسوح
كل نطاح من الده
ر له يوما نطوح
نح على نفسك يا مس
كين إن كنت تنوح
لتموتن وإن عم
رت ما عمر نوح
فلما سمع ذلك الرشيد جعل يبكي وينتحب، وكان الرشيد من أغزر الناس دموعا في وقت الموعظة، وأشدهم عسفا في وقت الغضب والغلظة؛ فلما رأى الفضل بن الربيع كثرة بكائه أومأ إلى الملاحين أن يسكتوا.
لما عقد الرشيد العهد لبنيه الثلاثة: الأمين والمأمون والمؤتمن، قال أبو العتاهية:
رحلت عن الربع المحيل قعودي
إلى ذي زحوف جمة وجنود
وراع يراعي الليل في حفظ أمة
يدافع عنها الشر غير رقود
بألوية جبريل يقدم أهلها
ورايات نصر حوله وبنود
تجافى عن الدنيا وأيقن أنها
مفارقة ليست بدار خلود
وشد عرى الإسلام منه بفتية
ثلاثة أملاك ولاة عهود
هم خير أولاد لهم خير والد
له خير آباء مضت وجدود
بنو المصطفى هارون حول سريره
فخير قيام حوله وقعود
تقلب ألحاظ المهابة بينهم
عيون ظباء في قلوب أسود
جدودهم شمس أتت في أهلة
تبدت لراء في نجوم سعود
فوصله الرشيد بصلة ما وصل مثلها شاعرا قط. (12) مسلم
133
بن الوليد أحد الشعراء المفلقين والبلغاء المبدعين
قال الشعر في صباه، ولم يتجاوز به الأمراء والرؤساء، مكتفيا بما يناله من قليل العطاء، وينفقه على ملاذه مع إخوانه من خلعاء الشعر، ثم انقطع إلى يزيد بن مزيد الشيباني قائد الرشيد، ثم اتصل بالخليفة هارون الرشيد وعد من شعرائه، ومدحه ومدح البرامكة وحسن رأيهم فيه. ولما أصبح الحل والعقد بيد ذي الرياستين الفضل بن سهل وزير المأمون في أول خلافته قربه وأدناه: لأنه كان من خاصته قبل وزارته، وولاه أعمالا بجرجان اكتسب منها ألف ألف درهم ثم لزم منزله إلى أن أنفقها في اللذات، وعاد إلى الفضل فقلده الضياع بأصبهان فاكتسب منها ألف ألف أيضا. ولما قتل الفضل لزم منزله ونسك ولم يمدح أحدا إلى أن مات بجرجان.