ما زالت الدنيا لنا دار أذى
ممزوجة الصفو بألوان القذى
الخير والشر بها أزواج
لذا نتاج ولذا نتاج
من لك بالمحض وليس محض
يخبث بعض ويطيب بعض
لكل إنسان طبيعتان
خير وشر وهما ضدان
إنك لو تستنشق الشحيحا
وجدته أنتن شيء ريحا
والخير والشر إذا ما عدا
بينهما بون بعيد جدا
عجبت حتى غمني السكوت
صرت كأني حائر مبهوت
كذا قضى الله فكيف أصنع
الصمت إن ضاق الكلام أوسع
ومن قول أبي العتاهية في الوحدة والتبرم بالناس:
برمت بالناس وأخلاقهم
فصرت أستأنس بالوحده
ما أكثر الناس لعمري وما
أقلهم في حاصل العده
قال الأصمعي: شعر أبي العتاهية كساحة الملوك، يقع فيها الجوهر والذهب والتراب والخزف والنوى.
كان أبو العتاهية لا يفارق الرشيد في سفر ولا حضر إلا في طريق الحج، وكان يجري عليه في كل سنة خمسين ألف درهم سوى الجوائز والمعاون، فلما قدم الرشيد الرقة لبس أبو العتاهية الصوف وتزهد، وترك حضور المنادمة والقول في الغزل، وأمر الرشيد بحبسه فحبس، فكتب إليه من وقته:
أنا اليوم لي والحمد لله أشهر
يروح علي الهم منكم ويبكر
تذكر أمين الله حقي وحرمتي
وما كنت توليني كذلك يذكر
ليالي تدني منك بالقرب مجلسي
ووجهك من ماء البشاشة يقطر
فمن لي بالعين التي كنت مرة
إلي بها في سالف الدهر تنظر
فلما قرأ الرشيد الأبيات قال: قولوا له: لا بأس عليك؛ فكتب إليه:
أرقت وطار عن عيني النعاس
ونام السامرون ولم يواسوا
أمين الله أمنك خير أمن
عليك من التقى فيه لباس
تساس من السماء بكل بر
وأنت به تسوس كما تساس
كأن الخلق ركب فيه روح
له جسد وأنت عليه راس
أمين الله إن الحبس باس
وقد أرسلت: ليس عليك باس
وكتب إليه أيضا في الحبس:
وكلفتني ما حلت بيني وبينه
وقلت سأبغي ما تريد وما تهوى
فلو كان لي قلبان كلفت واحدا
هواك وكلفت الخلي لما يهوى
فأمر بإطلاقه.
كان الهادي واجدا على أبي العتاهية لملازمته أخاه هارون في خلافة المهدي، فلما ولى موسى الخلافة قال أبو العتاهية يمدحه:
يضطرب الخوف والرجاء إذا
حرك موسى القضيب أو فكر
ما أبين الفضل في مغيب وما
أورد من رأيه وما أصدر
فكم ترى عز عند ذلك من
معشر قوم وذل من معشر
يثمر من مسه القضيب ولو
يمسه غيره لما أثمر
من مثل موسى ومثل والده ال
مهدي أو جده أبي جعفر
فرضي عنه. فلما دخل عليه أنشده:
لهفي على الزمن القصير
بين الخورنق والسدير
إذ نحن في غرف الجنا
ن نعوم في بحر السرور
في فتية ملكوا عنا
ن الدهر أمثال الصقور
ما منهم إلا الجسو
ر على الهوى غير الحصور
يتعاورون مدامة
صهباء من حلب العصير
عذراء رباها شعا
ع الشمس في حر الهجير
لم تدن من نار ولم
يعلق بها وضر القدور
ومقرطق يمشي أما
م القوم كالرشأ الغرير
بزجاجة تستخرج الس
ر الدفين من الضمير
زهراء مثل الكوكب الد
ري في كف المدير
تدع الكريم وليس يد
ري ما قبيل من دبير
ومخصرات زرننا
بعد الهدو من الخدور
ريا رواد فهن يل
بسن الخواتم في الخصور
غر الوجوه محجا
ت قاصرات الطرف حور
متنعمات في النع
يم مضمخات بالعبير
يرفلن في حلل المحا
سن والمجاسد والحرير
ما إن يرين الشمس إلا
القرط من خلل الستور
وإلى أمين الله مه
ربنا من الدهر العثور
وإليه أتعبنا المطا
يا بالرواح وبالبكور
صعر الخدود كأنما
جنحن أجنحة النسور
متسربلات بالظلا
م على السهولة والوعور
حتى وصلن بنا إلى
رب المدائن والقصور
ما زال قبل فطامه
في سن مكتهل كبير
استنشده المأمون أحسن ما قال في الموت فأنشده:
أنساك محياك المماتا
فطلبت في الدنيا الثباتا
أوثقت بالدنيا وأن
ت ترى جماعتها شتاتا
وعزمت منك على الحيا
ة وطولها عزما بتاتا
يا من رأى أبويه في
من قد رأى كانا فماتا
هل فيهما لك عبرة
أم خلت أن لك انفلاتا
ومن الذي طلب التفل
ت من منيته ففاتا
كل تصبحه المني
ة أو تبيته بياتا
دخل أبو العتاهية على المأمون فأنشده:
ما أحسن الدنيا وإقبالها
إذا أطاع الله من نالها
من لم يواس الناس من فضلها