تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زار مرة عمرو بن مسعدة فحجب عنه، فلزم منزله، فاستبطأه عمرو، فكتب إليه:

كسلني اليأس عنك فما أر

فع طرفي إليك من كسل

إني إذا لم يكن أخي ثقة

قطعت منه حبائل الأمل

وكتب إليه مرة أخرى:

مالك قد حلت عن إخائك واس

تبدلت يا عمرو شيمة كدره

إني إذا الباب تاه حاجبه

لم يك عندي في هجره نظره

132

لستم ترجون للحساب ولا

يوم تكون السماء منفطره

لكن لدنيا كالظل بهجتها

سريعة الإنقضاء منشمره

قد كان وجهي لديك معرفة

فاليوم أضحى حرفا من النكره

جلس المهدي للشعراء يوما فأذن لهم، وفيهم بشار وأشجع، وكان أشجع يأخذ عن بشار ويعظمه، وكان في القوم غير هذين أبو العتاهية، قال أشجع: فلما سمع بشار كلام أبي العتاهية قال: يا أخا سليم، أهذا ذلك الكوفي الملقب؟ قلت: نعم، قال: لا جزى الله خيرا من جمعنا معه؛ ثم قال له المهدي: أنشد، فقال: ويحك! أو يستنشد أيضا قبلنا؟ فقلت: قد ترى؛ فأنشد:

ألا ما لسيدتي ما لها

أدلا فأحمل إدلالها

وإلا ففيم تجنت وما

جنيت سقى الله أطلالها

ألا إن جارية للإما

م قد أسكن الحسن سربالها

مشت بين حور قصار الخطا

تجاذب في المشي أكفالها

وقد أتعب الله نفسي بها

وأتعب باللوم عذالها

فقال بشار لأشجع: ويحك يا أخا سليم! ما أدري من أي أمريه أعجب، أمن ضعف، شعره أم من تشبيبه بجارية الخليفة وهو يسمع ذلك بأذنه؟ حتى أتى على قوله:

أتته الخلافة منقادة

إليه تجرر أذيالها

فلم تك تصلح إلا له

ولم يك يصلح إلا لها

ولو رامها أحد غيره

لزلزلت الأرض زلزالها

ولو لم تطعه بنات القلوب

لما قبل الله أعمالها

وإن الخليفة من بغض «لا»

إليه ليبغض من قالها

فقال بشار لأشجع وقد اهتز طربا: ويحك يا أخا سليم، أترى الخليفة لم يطر عن فراشه طربا لما يأتي به هذا الكوفي!

ولما اتهمه منصور بن عمار بالزندقة، لأنه لا يذكر في شعره الجنة والنار وإنما يذكر الموت، قال فيه:

يا واعظ الناس قد أصبحت متهما

إذ عبت منهم أمورا أنت تأتيها

كالملبس الثوب من عري وعورته

للناس بادية ما إن يواريها

فأعظم الإثم بعد الشرك نعلمه

في كل نفس عماها عن مساويها

عرفانها بعيوب الناس تبصرها

منهم ولا تبصر العيب الذي فيها

وقيل له: زعم الناس أنك زنديق، فقال: والله ما ديني إلا التوحيد، فقيل له قل شيئا يتحدث به عنك، فقال:

ألا إننا كلنا بائد

وأي بني آدم خالد

وبدؤهم كان من ربهم

وكل إلى ربه عائد

فيا عجبا كيف يعصي الإل

ه أم كيف يجحده الجاحد

وفي كل شيء له آية

تدل على أنه واحد

وسمع الجاحظ مرة من ينشد أرجوزة أبي العتاهية التي سماها «ذوات الأمثال» حتى أتى على قوله:

يا للشباب المرح التصابي

روائح الجنة في الشباب

فقال للمنشد: قف، ثم قال: انظروا إلى قوله «روائح الجنة في الشباب» فإن له معنى كمعنى الطرب لا يقدر على معرفته إلا القلوب، وتعجز عن ترجمته الألسنة إلا بعد التطويل وإدامة التفكير، وخير المعاني ما كان القلب إلى قبوله أسرع من اللسان إلى وصفه. وهذه الأرجوزة من بدائع أبي العتاهية، ويقال: إن فيها أربعة آلاف مثل، منها قوله:

حسبك مما تبتغيه القوت

ما أكثر القوت لمن يموت

الفقر فيما جاوز الكفافا

من اتقى الله رجا وخافا

هي المقادير فلمني أو فذر

إن كنت أخطأت فما أخطا القدر

لكل ما يؤذي وإن قل ألم

ما أطول الليل على من لم ينم

ما انتفع المرء بمثل عقله

وخير ذخر المرء حسن فعله

إن الفساد ضده الصلاح

ورب جد جره المزاح

من جعل النمام عينا هلكا

مبلغك الشر كباغيه لكا

إن الشباب والفراغ والجده

مفسدة للمرء أي مفسده

يغنيك عن كل قبيح تركه

يرتهن الرأي الأصيل شكه

ما عيش من آفته بقاؤه

نغص عيشا كله فناؤه

يا رب من أسخطنا بجهده

قد سرنا الله بغير حمده

ما تطلع الشمس ولا تغيب

إلا لأمر شأنه عجيب

لكل شيء معدن وجوهر

وأوسط وأصغر وأكبر

من لك بالمحض وكل ممتزج

وساوس في الصدر منه تعتلج

وكل شيء لاحق بجوهره

أصغره متصل بأكبره

عصر المأمون · الصفحة ٣٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٣٦