تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ما بهذا يؤذن الزمن

نحن في دار يخبرنا

ببلاها ناطق لسن

دار سوء لم يدم فرح

لامرئ فيها ولا حزن

في سبيل الله أنفسنا

كلنا بالموت مرتهن

كل نفس عند ميتتها

حظها من مالها الكفن

إن مال المرء ليس له

منه إلا ذكره الحسن

وقال عبد الله بن عبد العزيز العمري: أشعر الناس أبو العتاهية حيث يقول:

ما ضر من جعل التراب مهاده

ألا ينام على الحرير إذا قنع

وقيل لأبي العتاهية: كيف تقول الشعر؟ قال: ما أردته قط إلا مثل لي، فأقول ما أريد وأترك ما لا أريد. وكان يقول: لو شئت أن أجعل كلامي شعرا كله لفعلت.

حم الرشيد فصار أبو العتاهية إلى الفضل بن الربيع برقعة فيها:

لو علم الناس كيف أنت لهم

ماتوا إذا ما أنت أجمعهم

خليفة الله أنت ترجح بالنا

س إذا ما وزنت أنت وهم

قد علم الناس أن وجهك يغ

ني إذا ما رآه معدمهم

فأنشدها الفضل بن الربيع الرشيد، فأمر بإحضار أبي العتاهية، فما زال يسامره ويحدثه إلى أن برئ، ووصل إليه بذلك السبب مال جليل. وقد حدث ابن الأعرابي بهذا الحديث، فقال له رجل بالمجلس: ما هذا الشعر بمستحق لما قلت؛ قال: ولم؟ قال: لأنه ضعيف؛ فقال ابن الأعرابي، وكان أحد الناس، الضعيف والله عقلك لا شعر أبي العتاهية، ألأبي العتاهية تقول إنه ضعيف الشعر! فوالله ما رأيت شاعرا قط أطبع ولا أقدر على بيت منه، وما أحسب مذهبه إلا ضربا من السحر؛ ثم أنشد له:

قطعت منك حبائل الآمال

وحططت عن ظهر المطي رحالي

ويئست أن أبقى لشيء نلت مم

فيك يا دنيا وأن يبقى لي

فوجدت برد اليأس بين جوانجي

وأرحت من حل ومن ترحال

يأيها البطر الذي هو من غد

في قبره متمزق الأوصال

حذف المنى عنه المشمر في الهدى

وأرى مناك طويلة الأذيال

حيل ابن آدم في الأمور كثيرة

والموت يقطع حيلة المحتال

ما لي أراك لحر وجهك مخلقا

أخلقت يا دنيا وجوه رجال

قست السؤال فكان أعظم قيمة

من كل عارفة جرت بسؤال

فإذا ابتليت ببذل وجهك سائلا

فابذله للمتكرم المفضال

وإذا خشيت تعذرا في بلدة

فاشدد يديك بعاجل الترحال

واصبر على غير الزمان فإنما

فرج الشدائد مثل حل عقال

ثم قال للرجل: هل تعرف أحدا يحسن أن يقول مثل هذا الشعر؟ فقال له الرجل: يا أبا عبد الله، جعلني الله فداءك، إني لم أردد عليك ما قلت، ولكن الزهد مذهب أبي العتاهية، وشعره في المديح ليس كشعره في الزهد؛ فقال: أفليس الذي يقول في المديح:

وهارون ماء المزن يشفي من الصدى

إذا ما الصدى بالريق غصت حناجره

وأوسط بيت في قريش لبيته

وأول عز في قريش وآخره

وزحف له تحكي البروق سيوفه

وتحكي الرعود القاصفات حوافره

إذا حميت شمس النهار تضاحكت

إلى الشمس فيه بيضه ومغافره

إذا نكب الإسلام يوما بنكبة

فهارون من بين البرية ثائره

ومن ذا يفوت الموت والموت مدرك

كذا لم يفت هارون ضد ينافره

فتخلص الرجل من شر ابن الأعرابي بأن قال له: القول كما قلت، وما كنت سمعت له مثل هذين الشعرين، وكتبهما عنه.

قال ثمامة بن أشرس أنشدني أبو العتاهية:

إذا المرء لم يعتق من المال نفسه

تملكه المال الذي هو مالكه

ألا إنما مالي الذي أنا منفق

وليس لي المال الذي أنا تاركه

إذا كنت ذا مال فبادر به الذي

يحق وإلا استهلكته مهالكه

فقلت له: من أين قضيت بهذا؟ فقال: من قول رسوله الله

صلى الله عليه وسلم : «إنما لك من مالك ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت أو تصدقت فأمضيت». فقلت له: أتؤمن بأن هذا قول رسوله الله

صلى الله عليه وسلم

وأنه الحق؟ قال: نعم؛ قلت: فلم تحبس عندك سبعا وعشرين بدرة في دارك ولا تأكل منها ولا تشرب ولا تزكي ولا تقدمها ذخرا ليوم فقرك وفاقتك؟ فقال: يا أبا معن، والله إن ما قلت لهو الحق، ولكني أخاف الفقر والحاجة إلى الناس؛ فقلت: وبم تزيد حال من افتقر على حالك وأنت دائم الحرص، دائم الجمع، شحيح على نفسك، لا تشتري اللحم إلا من عيد إلى عيد؟ فترك جواب كلامي كله، ثم قال لي: والله لقد اشتريت في يوم عاشوراء لحما وتوابله وما يتبعه بخمسة دراهم؛ فلما قال هذا القول أضحكني حتى أذهلني عن جوابه ومعاتبته، فأمسكت عنه وعلمت أنه ليس ممن شرح الله صدره للإسلام.

عصر المأمون · الصفحة ٣٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٣٥