قال أبو بشر: كنت حاضرا ربيعة الرقي يوما وجاءته امرأة فقالت: تقول لك فلانة إن بنت مولاي محمومة فإن كنت تعرف لها عوذة
125
فافعل، فقال اكتب لها أبا بشر هذه العوذة:
ثقوا ثقوا باسم إلهي الذي
لا يعرض السقم لمن قد شفى
أعيذ مولاتي ومولاتها
وابنتها بعوذة المصطفى
من شر ما يعرض من علة
في الصبح والليل إذا أسدفا
فقلت له: يا أبا ثابت، لست أحسن أن أكتب ثقوا ثقوا، فكيف أكتبها؟ قال انضح المداد من رأس القلم في موضعين حتى يكون كالنفث،
126
وادفع العوذة إليها فإنها نافعة، ففعلت ودفعتها إليها، فلم تلبث أن جاءت الجارية وهي لا تتمالك ضحكا، فقالت له: يا مجنون ما فعلت بنا! كدنا نفتضح بما صنعت! قال: فما أصنع! أشاعر أنا أم صاحب تعاويذ!
واتفق للرقي أيضا مثل ذلك مع معن بن زائدة، وقد لقيه في بعض قدماته إلى العراق، فمدحه، فلم يهش له، فهجاه بقصيدة مطلعها:
معن يا معن يابن زائدة الك
لب الذي في الذراع لا في البنان
لا تفاخر إذا فخرت بآبا
ئك وافخر بعمك الحوفزان
127
ومن غزله أبيات يغنى بها، وهي:
وتزعم أني قد تبدلت خلة
128
سواها وهذا الباطل المتقول
لحا الله من باع الصديق بغيره
فقالت نعم حاشاك إن تك تفعل
ستصرم إنسانا إذا ما صرمتني
بحبك فانظر بعده من تبدل (10) الرقاشي
129
كان سهل الشعر مطبوعا، وكان منقطعا إلى آل برمك، مستغنيا بهم عن سواهم، وكانوا يصولون به على الشعراء، ويروون أولادهم أشعاره، ويدونونها القليل والكثير منها، تعصبا له، وحفظا لخدمته، وتنويها باسمه، وتحريكا لنشاطه، فحفظ ذلك لهم. فلما نكبوا صار إليهم في حبسهم، فأقام معهم مدة أيامهم ينشدهم ويسامرهم حتى ماتوا، ثم رثاهم فأكثر من رثائهم؛ فمن ذلك قوله في جعفر:
كم هاتف بك من باك وباكية
يا طيب للضيف إذ تدعى وللجار
إن يعدم القطر كنت المزن بارقه
لمع الدنانير لا ما خيل الساري
وقوله:
لعمرك ما بالموت عار على الفتى
إذا لم تصبه في الحياة المعاير
130
وما أحد حي وإن كان سالما
بأسلم مما غيبته المقابر
ومن كان مما يحدث الدهر جازعا
فلا بد يوما أن يرى وهو صابر
وليس لذي عيش عن الموت مقصر
وليس على الأيام والدهر غابر
وكل شباب أو جديد إلى البلى
وكل امرئ يوما إلى الله صائر
فلا يبعدنك الله عني جعفرا
بروحي ولو دارت علي الدوائر
فآليت لا أنفك أبكيك ما دعت
على فنن ورقاء أو طار طائر
ومن ذلك قوله لما صلب الفضل بن يحيى واجتاز به الرقاشي وهو مصلوب على الجذع، فوقف يبكي ثم قال:
أما والله لولا خوف واش
وعين للخليفة لا تنام
لطفنا حول جذعك واستلمنا
كما للناس بالحجر استلام
فما أبصرت قبلك يابن يحيى
حساما حتفه السيف الحسام
على اللذات والدنيا جميعا
ودولة آل برمك السلام
فكتب أهل الأخبار بذلك إلى الرشيد، فأحضره فقال: ما حملك على ما قلت؟ فقال: يا أمير المؤمنين كان إلي محسنا، فلما رأيته على الحال التي هو عليها حركني إحسانه فما ملكت نفسي حتى قلت الذي قلته؛ قال: وكم كان يجري عليك؟ قال: ألف دينار في كل سنة، قال: إنا قد أضعفناها لك.
ومن قوله يصف جارية:
صفات وحسن أورثا القلب لوعة
تضرم في أحشاء قلب متيم
تمثلها نفسي لعيني فأنثني
عليها بطرف الناظر المتيسم
يحملني حبي لها فوق طاقتي
من الشوق دأب الحائر المتقسم (11) أبو العتاهية
131
قال أحمد بن زهير: سمعت مصعب بن عبد الله يقول: أبو العتاهية أشعر الناس، فقلت له: بأي شيء استحق ذلك عندك؟ فقال بقوله:
تعلقت بآمال
طوال أي آمال
وأقبلت على الدنيا
ملحا أي إقبال
أيا هذا تجهز ل
فراق الأهل والمال
فلا بد من الموت
على حال من الحال
ثم قال مصعب: هذا كلام سهل حق لا حشو فيه ولا نقصان، يعرفه العاقل ويقر به الجاهل. وكان الأصمعي يستحسن قوله:
أنت ما استغنيت عن صا
حبك الدهر أخوه
فإذا احتجت إليه
ساعة مجك فوه
وأنشد له سلم الخاسر:
سكن يبقى له سكن