يزيد سليم
122
سالم المال، والفتى
أخو الأزد للأموال غير مسالم
فهم الفتى الأزدي إتلاف ماله
وهم الفتى القيسي جمع الدراهم
فلا يحسب التمتام أنى هجوته
ولكنني فضلت أهل المكارم
قال رجل لربيعة: يا أبا أسامة، ما حملك على أن هجوت رجلا من قومك وفضلت عليه رجلا من الأزد؟ فقال: أخبرك، أملقت فلم يبق لي إلا داري، فرهنتها على خمسمائة درهم، ورحلت إليه إلى أرمينية، فأعلمته بمكاني ومدحته، وأقمت عنده حولا، فوهب لي خمسمائة درهم، فتحملت وصرت بها إلى منزلي، فلم يبق معي كبير شيء، فنزلت في دار بكراء، فقلت: لو أتيت يزيد بن حاتم، ثم قلت: هذا ابن عمي فعل بي هذا الفعل فكيف بغيره! ثم حملت نفسي على أن آتيه، فأعلم بمكاني، فتركني أشهرا حتى ضجرت، فأكريت نفسي من الحمالين. وكتبت بيتا في رقعة فألقيته في دهليزه؛ والبيت:
أراني ولا كفران لله راجعا
بخفى حنين من يزيد بن حاتم
فوقعت الرقعة في يد حاجبه، فأوصلها إليه من غير علمي ولا أمري، فبعث خلفي، فلما دخلت عليه قال: هيه أنشدني ما قلت، فتمنعت، فقال: والله لتنشدني، فأنشدته، فقال: والله لا ترجع كذلك، ثم قال: انزعوا خفيه، فنزعا، فحشاهما دنانير وأمر لي بغلمان وجوار وكسى، ألا ترى لي أن أمدح هذا وأهجوا ذاك؟ قلت: بلى والله، وسار شعري حتى بلغ المهدي، فكان سبب دخولي إليه.
قيل لأبي النحوي: إن الأصمعي قال: لا يقال شتان ما بينهما، وإنما يقال: شتان ما هما، وأنشد قول الأعشى: «شتان ما يومي على كورها» فقال: كذب الأصمعي، يقال: شتان ما هما وشتان ما بينهما، وأنشد لربيعة الرقي: «لشتان ما بين اليزيدين» وفي استشهاد مثل أبي زيد على دفع قول مثل الأصمعي بشعر ربيعة كفاية له في تفضيله.
امتدح ربيعة العباس بن محمد بن علي بقصيدة لم يسبق إليها حسنا، وهي طويلة، يقول فيها:
لو قيل للعباس يابن محمد
قل «لا» وأنت مخلد ما قالها
ما إن أعد من المكارم خصلة
إلا وجدتك عمها أو خالها
وإذا الملوك تسايروا في بلدة
كانوا كواكبها وكنت هلالها
إن المكارم لم تزل معقولة
حتى حللت براحتيك عقالها
فبعث إليه بدينارين، وكان يقدر فيه ألفين، فلما نظر إلى الدينارين كاد يجن غيظا وقال للرسول: خذ هذين الدينارين فهما لك على أن ترد الرقعة إلي من حيث لا يدري العباس، ففعل الرسول ذلك، فأخذها ربيعة وأمر من كتب في ظهرها:
مدحتك مدحة السيف المحلى
لتجري في الكرام كما جريت
فهبها مدحة ذهبت ضياعا
كذبت عليك فيها وافتريت
فأنت المرء ليس له وفاء
كأني إن مدحتك قد زنيت
ثم دفعها إلى الرسول وقال: ضعها في الموضع الذي أخذتها منه، فردها الرسول؛ فلما كان من الغد أخذها العباس فنظر فيها، فلما قرأ الأبيات غضب وقام من وقته فركب إلى الرشيد، وكان أثيرا
123
عنده يبجله ويقدمه، وكان قد هم أن يخطب إليه ابنته، فرأى الكراهة في وجهه، فقال: ما شأنك؟ فقال: هجاني ربيعة الرقي، فأحضر، فقال له الرشيد: تهجو عمي وآثر الخلق عندي؟ لقد هممت أن أضرب عنقك، فقال: والله يا أمير المؤمنين لقد مدحته بقصيدة ما قال مثلها أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء، ولقد بالغت في الثناء وأكثرت في الوصف، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأمره بإحضارها! فلما سمع الرشيد ذلك منه سكن غضبه وأحب أن ينظر إلى القصيدة، فأمر العباس بإحضار الرقعة، فتلكأ عليه العباس، فقال له الرشيد: سألتك بحق أمير المؤمنين إلا أمرت بإحضارها، فعلم العباس أنه قد أخطأ وغلط، فأمر بإحضارها، فأحضرت، فأخذها الرشيد وإذا فيها القصيدة بعينها، فاستحسنها واستجادها وأعجب بها وقال: والله ما قال أحد من الشعراء في أحد من الخلفاء مثلها، لقد صدق ربيعة وبر؛ ثم قال للعباس: بم أثبته عليها؟ فسكت العباس وتغير لونه وجرض
124
بريقه، فقال ربيعة: أثابني عليها يا أمير المؤمنين بدينارين، فتوهم الرشيد أنه قال ذلك من الموجدة على العباس، فقال: بحياتي يا رقي بكم أثابك؟ قال: وحياتك يا أمير المؤمنين ما أثابني إلا بدينارين، فغضب الرشيد غضبا شديدا ونظر في وجه العباس وقال: سوءة لك! أي حال قعدت بك عن إثابته؟ الأموال؟ فوالله لقد مولتك جهدي، أم انقطاع المادة عنك؟ فوالله ما انقطعت، أم أصلك؟ فهو الأصل لا يدانيه شيء، أم نفسك فعلت ذلك بك حتى فضحت آباءك وأجدادك وفضحتني ونفسك؟ فنكس العباس رأسه ولم ينطق، فقال الرشيد: يا غلام، أعط ربيعة ثلاثين ألف درهم وخلعة واحمله على بغلة؛ فلما حمل المال بين يديه وألبس الخلعة قال: بحياتي يا رقي لا تذكره في شعرك لا تعريضا ولا تصريحا، وفتر الرشيد عما كان هم به أن يتزوج إليه، وظهر له منه بعد ذلك جفاء كثير واطراح له.