قيل للسيد: ما لك لا تستعمل في شعرك من الغريب ما تسأل عنه كما يفعل الشعراء؟ قال: لأن أقول شعرا قريبا من القلوب يلذه من سمعه، خير من أن أقول شيئا معقدا تضل فيه الأوهام.
تقدم السيد إلى سوار القاضي ليشهد عنده، فلم يرض به، فقام مغضبا من مجلسه، وكتب رقعة يقول فيها:
يا أمين الله يا من
صور يا خير الولاة
إن سوار بن عبد الل
ه من شر القضاة
نعثلي جملي
لكم غير موات
جده سارق عنز
فجرة من فجرات
لرسول الله والقا
ذفه بالمنكرات
وابن من كان ينادي
من وراء الحجرات
يا هناة اخرج إلينا
إننا أهل هنات
مدحنا المدح ومن نر
م يصب بالزفرات
فاكفنيه لا كفاه الل
ه شر الطارقات
قيل: فلما قرأها سوار وثب من مجلسه وقصد أبا جعفر المنصور، وهو يومئذ نازل بالجسر، فسبقه السيد إليه فأنشده:
قل للإمام الذي ينجى بطاعته
يوم القيامة من بحبوحة النار
لا تستعن وجزاك الله صالحة
يا خير من دب في حكم بسوار
لا تستعن بخبيث الرأي ذي صلف
جم العيوب عظيم الكبر جبار
يضحى الخصوم لديه من تجبره
لا يرفعون إليه لحظ أبصار
تيها وكبرا ولولا ما رفعت له
من ضبعه كان عين الجائع العاري
ودخل سوار، فلما رآه المنصور تبسم وقال: أما بلغك خبر إياس بن معاوية حيث قبل شهادة الفرزدق واستزاد في الشهود؟ فما أحوجك للتعرض للسيد ولسانه! ثم أمر السيد بمصالحته.
دخل السيد على المهدي لما بايع لابنيه موسى وهارون، فأنشأ يقول:
ما بال مجرى دمعك الساجم
أمن قدى بات بها لازم
أم من هوى أنت له ساهر
صبابة من قلبك الهائم
آليت لا أمدح ذا نائل
من معشر غير بني هاشم
أوليتهم عندي يد المصطفى
ذي الفضل والمن أبي القاسم
فإنها بيضاء محمودة
جزاؤها الشكر على العالم
جزاؤها حفظ أبي جعفر
خليفة الرحمن والقائم
وطاعة المهدي ثم ابنه
موسى على ذي الإربة الحازم
وللرشيد الرابع المرتضي
مفترض من حقه اللازم
ملكهم خمسون معدودة
برغم أنف الحاسد الراغم
ليس علينا ما بقوا غيرهم
في هذه الأمة من حاكم
حتى يردوها إلى هابط
عليه عيسى منهم ناجم
ومن شعر السيد:
ما جرت خطرة على القلب مني
فيك إلا استترت عن أصحابي
من دموع تجري فإن كنت وحدي
خاليا أسعدت دموعي انتحابي
إن حبي إياك قد سل جسمي
ورماني بالشيب قبل الشباب
لو منحت اللقا شفى بك صبا
هائم القلب قد ثوى في التراب
ومما قاله في الحبس:
قف بالديار وحيها يا مربع
واسأل وكيف يجيب من لا يسمع
إن الديار خلت وليس بجوها
إلا الضوابح والحمام الوقع
ولقد تكون بها أوانس كالدمى
جمل وعزة والرباب وبروع
حور نواعم لا ترى في مثلها
أمثالهن من الصيانة أربع
فعرين بعد تألف وتجمع
والدهر صاح مشتت ما يجمع
فاسلم فإنك قد نزلت بمنزل
عند الأمير تضر فيه وتنفع
تؤتى هواك إذا نطقت بحاجة
فيه وتشفع عنده فتشفع
قل للأمير إذا ظفرت بخلوة
منه ولم يك عنده من يسمع
هب لي الذي أحببته في أحمد
وبنيه إنك حاصد ما تزرع
يختص آل محمد بمحبة
في الصدر قد طويت عليها الأضلع
وقال يهجو امرأة وارث موسر من خلانه، وكانت تعذل زوجها على إسرافه:
أقول يا ليت ليلى في يدي حنق
من العداوة من أعدى أعاديها
يعلو بها فوق رعن
106
ثم يحدرها
في هوة فتدهدى يومها فيها
أو ليتها في غمار البحر قد عصفت
فيه الرياح فهاجت من أواذيها
107
أو ليتها قد دنت يوما إلى فرسي
قد شد منه إلى هاديه هاديها
حتى يرى لحمها من حضره زيما
108
وقد أتى القوم بعد الموت ناعيها
فمن بكاها فلا جفت مدامعه
لا أسخن الله إلا عين باكيها
وقيل: إن آخر قصيدة له هي قوله:
أشاقتك المنازل بعد هند
وتربيها وذات الدل دعد
منازل أقفرت منهن محت
معالمهن من سيل ورعد
وريح حرجف تستن فيها
بسافي الترب تلحم ما تسدي
ألم يبلغك والأنباء تنمي
مقال محمد فيما يؤدي
إلى ذي علمه الهادي علي
وخولة خادم في البيت تردي
ألم تر أن خولة سوف تأتي
بوارى الزند صافي الخيم نجد
يفوز بكنيتي واسمي لأني
نحلتهما هو المهدي بعدي