تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كيف انتسبن إلى الغرور

إن الليالي ضمنني

ووسمنني سمة الكبير

أطفأن نور شبيبتي

وفرشنني كنف الغيور

ولقد تبيت أناملي

يجنين رمان النحور (7) السيد الحميري

102 «لم

103

يكن السيد الحميري من أنصار الحسن والحسين، أو بعبارة أصح لم يكن من أنصار ولد الحسن والحسين؛ وإنما كان من الكيسانية الذين كانوا ينصرون الابن الثالث من أبناء علي: محمد بن خولة الحنفية؛ والذين كانوا يدينون بأنه لم يمت وإنما تغيب عن الناس واحتجب عنهم حينا وسيعود فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، فلم يكن على السيد الحميري بأس أن يمدح بني العباس ويتقرب منهم ما دام صاحبه محمد بن الحنيفة لم يعد من غيبته بعد. ثم نستطيع أن نميز هذا الشاعر بخصلة لم نرها في شاعر من الذين تحدثنا عنهم، وهي أنه كان سخيفا ضعيف العقل شديد الإيمان بالخرافات والأوهام، ويظهر أن هذه الخصلة جاءته من مذهبه نفسه في الرجعة، فقد أسرف في هذا المذهب كما أسرف في مدح العلويين والإيمان بهم حتى وصفهم من الخير والكرامة بما يقبل وما لا يقبل؛ فكان كل خير يمكن أن ينسب إلى العلويين، رضيه العقل أم لم يرضه، وكان كل شر يمكن أن ينسب إلى خصوم العلويين، رضيه العقل أم لم يرضه، وكان يكفي أن يسمع رجلا من أهل القصص ورواة الأساطير يروي كرامة من الكرامات يضيفها إلى أحد العلويين حتى ينظم فيها قصيدة طويلة، جيدة، ويتخذ هذه القصيدة وسيلة إلى ذم السلف والنعي عليه.

وخصلة أخرى تقربه من الزنادقة الذين عاصروه ولكنها تجعل الصلة بينه وبينهم ضعيفة واهية في الوقت نفسه.

وهي أنه كان يستبيح ضروبا من اللهو والمنكر، ويسرف في شرب الخمر وغير ذلك من ألوان العبث، لا لأنه كان يجحد الدين أو يزدريه بل لأنه كان يدل على صاحب الدين؛ كان يحب النبي

صلى الله عليه وسلم

وآله ويمنحهم مودته ونصره، ويعتقد أنهم سيعرفون له ذلك وسيشفعون له في ذنوبه وآثامه لما قدم بين يديه من مدح العلويين ونصرهم على خصومهم؛ وكان بنو هاشم وبنو علي خاصة يطمعونه في ذلك ويتعرفون له به، فإذا ذكر لهم أنه يلهو ويشرب الخمر قالوا: وأي ذنب يعظم على الله أن يغفره لرجل من أنصار أهل البيت! بل قال أحدهم: إن من أحب آل علي لم تزل له قدم إلا ثبتت له أخرى؛ وعلى هذا كان السيد الحميري يلهو آمنا في دينه، يعتمد في دينه على العلويين، ويعتمد في دنياه على العباسيين، يقدر أن العلويين سيشفعون له عند الله، ويعلم أن العباسيين يتقون شره ويؤثرون مدحه على هجائه؛ وكان من معاصريه من يكره ذلك ويمقته كل المقت، ويضمر للسيد عداء وحقدا لا يعدلهما عداء ولا حقد؛ ومن هؤلاء سوار بن عبد الله العنبري قاضي البصرة للمنصور، فقد كان العداء بينه وبين السيد شديدا، وكان قد أجمع ألا يقبل للسيد شهادة، وكان قد سعى بالسيد عند المنصور غير مرة؛ وكان السيد قد هجاه فأسرف في هجائه، فشكا ذلك إلى المنصور فنهاه المنصور عنه وأمره أن يذهب إلى القاضي فيعتذر إليه، وأبى القاضي أن يقبل معذرته، فاستأنف السيد الهجاء وألح فيه. ويقال إن سوارا أعد شهودا يشهدون على السيد بالسرقة ليقطع يده، فعلم السيد ذلك فجزع وفزع إلى المنصور، فعزل المنصور سوارا من القضاء للسيد أو عليه، ولم يلبث سوار أن مات فتبعه السيد بعدائه وبغضه وهجائه.»

قال أبو جعفر الأعرج: كان السيد أسمر تام القامة، أشنب ذا وفرة، حسن الألفاظ جميل الخطاب، إذا تحدث في مجلس قوم أعطى كل رجل في المجلس نصيبه من حديثه.

وقال الفرزدق: إن ههنا لرجلين لو أخذا في معنى البأس لما كنا معهما في شيء: السيد الحميري وعمران بن حطان السدوسي، ولكن الله عز وجل قد شغل كل واحد منهما بالقول في مذهبه؛ وقال الأصمعي لما أنشد شيئا من شعره: ما أسلكه لطريق الفحول لولا مذهبه، ولولا ما في شعره ما قدمت عليه أحدا من طبقته؛ وكان أبو عبيدة يقول: أشعر المحدثين السيد الحميري وبشار.

عصر المأمون · الصفحة ٣٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٢٨