والجهل والتكبر
يلقى الحبيب باهتا
فلا يزال ساكتا
ومنهم من يهوى
بالغيب يأتي عفوا
فيزرع الغموما
مستجلبا هموما
فذاك حب الغيب
ليس به من عيب
من دونه حجاب
ودونه أبواب
فما لذاك لبث
وليس منه مكث
حتى يرى مقهورا
في حبه محسورا
ومنهم جبار
في حبه ازورار
يزهي إذا ما عشقا
ورهنه قد غلقا
يلتزم اللجاجة
فليس يبدي الحاجه
فذاك حب الفوت
وفيه كرب الموت
ومنهم من للنظر
يهوى ولم يعد البصر
إذا رأى خليله
داوى به غليله
يكتم ما يقاسي
من أعين الجلاس
ومنهم من اقتصر
على الحديث والنظر
غايته السلام
واللحظ والكلام
مدافع عن حبه
يكتم وجد قلبه
ينفي الهوى وينكره
وبالتبري يستره
فذاك حب العاقل
حب أديب كامل
وبعضهم لا يقنعه
إلا عمود يودعه
قد طلب الحراما
والتمس الأثاما
فذاك حب النهم
الماجن المغتلم
حق له الحرمان
والمنع والخذلان
وبعضهم مذاق
معانت ملاق
مستعمل للكذب
محرف في الكتب
فذاك حب الزور
يلسع كالزنبور
وبعضهم عميد
غاية ما يريد
خلوة من يهواه
في مشهد يلقاه
لحظته مسارقه
مبيته معانقه
مكاتم لحبه
في بعده وقربه
فذاك حب يكمد
نيرانه لا تخمد
ومنهم من يهتف
بالحب حين يشغف
إذا الحبيب صدا
ولم ينله ودا
تاه عليه وحزق
92
وصد عنه وحمق
وقال في آخرها:
قد تم مني وصف
ولم يخني الرصف
وانقضت القصيده
محبوبة حميده
والحمد للرحمن
ذي العز والسلطان
والذم للشيطان
ذي العرم
93
والطغيان (6) منصور النمري
94
كان ذا حيلة سياسية، فأدرك أن الرشيد يسره أن يمدح بنفي الإمامة عن علي والطعن عليه، لما كان يراه من تقديم مروان بن أبي حفصة بسبب ذلك، فسلك مذهبه ونحا نحوه - والشعراء يومئذ إنما يطلبون الكسب - لكنه لم يصرح بالهجاء والسب كما فعل مروان؛ ومن قوله فيه قصيدة مطلعها:
أمير المؤمنين إليك خضنا
غمار الهول من بلد شطير
بخوص كالأهلة خافقات
تلين على السرى وعلى الهجير
حملن إليك أحمالا ثقالا
ومثل الصخرة الدر النثير
فقد وقف المديح بمنتهاه
وغايته وصار إلى المصير
إلى من لا تشير إلى رسول
إذا ذكر الندى كف المشير
وذكر في القصيدة يحيى بن عبد الله بن حسن فقال:
يذلل من رقاب بني علي
ومن ليس بالمن الصغير
مننت على ابن عبد الله يحيى
وكان من الحتوف على شفير
ولقد تخلص إلى شيء ليس عليه فيه شيء وهو قوله:
فإن شكروا فقد أنعمت فيهم
وإلا فالندامة للكفور
وإن قالوا بنو بنت فحق
وردوا ما يناسب للذكور
وما لبنى بنات من تراث
مع الأعمام في ورق الزبور
ومنها:
بني حسن ورهط بني حسين
عليكم بالسداد من الأمور
فقد ذقتم قراع بني أبيكم
غداة الروع بالبيض الذكور
أحين شفوكم من كل وتر
وضموكم إلى كنف وثير
وجادوكم على ظمأ شديد
سقيتم من نوالهم الغزير
فما كان العقوق لهم جزاء
بفعلهم وآدى للثئور
وإنك حين تبلغهم أذاة
وإن ظلموا لمحزون الضمير
فقال له: صدقت وإلا فعلي وعلي، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
وأنشد الرشيد يوما قصيدته التي أولها:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع
إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتتني بلذته
صروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفي شبابي كنه غرته
حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
فقال الرشيد: أحسن! والله لا يتهنى أحد بعيش حتى يخطر في رداء الشباب.
ومن قوله فيها يمدح الرشيد:
أي امرئ بات من هارون في سخط
فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن المكارم والمعروف أودية
أحلك الله منها حث تجتمع
95
إذا رفعت امرءا فالله يرفعه
ومن وضعت من الأقوام متضع
نفس فداؤك والأبطال معلمة
يوم الوغى والمنايا صابها فزع
ومن قوله يمدح الرشيد:
يا منزل الحي ذا المغاني
إنعم صباحا على بلاكا
هارون يا خير من يرجى
لم يطع الله من عصاكا
في خير دين وخير دنيا
من اتقى الله واتقاكا
وناهيك بقصيدته التي رفعت السيف عن ربيعة بنصيبين بعد أن جرده فيها الرشيد وهي التي يقول فيها:
وقد علم العدوان والجور والخنا
بأنك عياف لهن مزايل
ولو عملوا فينا بأمرك لم يكن
ينال بريا بالأذى متناول
لنا منك أرحام ونعتد طاعة