تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فصعدت نائلة سلما

زادها في القصيدة بعد أن هربت.

جلس أبان ليلة في قوم فثلب أبا عبيدة فقال: يقدح في الأنساب ولا نسب له. فبلغ ذلك أبا عبيدة فقال في مجلسه: لقد أغفل السلطان كل شيء حين أغفل أخذ الجزية من أبان اللاحقي، وهو وأهله يهود، وهذه منازلهم فيها أسفار التوراة وليس فيها مصحف، وأوضح الدلالة على يهوديتهم أن أكثرهم يدعي حفظ التوراة ولا يحفظ من القرآن ما يصلي به. فبلغ ذلك أبان فقال:

لا تنمن عن صديق حديثا

واستعذ من تسرر النمام

واخفض الصوت إن نطقت بليل

والتفت بالنهار قبل الكلام

قال عيسى بن إسماعيل: كنا في مجلس أبي زيد الأنصاري فذكروا أبان بن عبد الحميد، فقالوا: كان كافرا؛ فغضب أبو زيد وقال: كان جاري فما فقدت قراءته في ليلة قط. •••

وكان أبان يفوق الشعراء في شيء نحسب أنه هو الذي سبق إليه، فقد ابتكر في الأدب العربي فنا لم يتعاطه أحد من قبله، وهو فن الشعر التعليمي، طرق فيه فنونا مختلفة من العلم والحكمة والدين. وقد تحدث أبو الفرج أنه نظم للبرامكة كتاب «كليلة ودمنة» ليسهل عليهم حفظه، فأعطاه يحيى بن خالد عشرة آلاف دينار، وأعطاه الفضل بن يحيى خمسة آلاف واكتفى جعفر بأن يكون راويته. وروى أبو الفرج أبياتا أربعة من هذا النظم، وقد عثرنا على قطعة من كتاب مخطوط يوجد في دار الكتب المصرية تحت رقم (594) تاريخ، وهو كتاب «الأوراق» للصولي. وفي هذا الكتاب قطعة صالحة من نظم أبان لكليلة ودمنة، فرأينا أن نثبتها هنا، لأن المنظومة ضاعت ولم يبق منها إلا الأبيات الأربعة التي رواها أبو الفرج. وها هي ذي:

هذا كتاب كذب ومحنه

وهو الذي يدعي كليله دمنه

فيه دلالات وفيه رشد

وهو كتاب وضعته الهند

فوصفوا آداب كل عالم

حكاية عن ألسن البهائم

فالحكماء يعرفون فضله

والسخفاء يشتهون هزله

وهو على ذاك يسير الحفظ

لذ على اللسان عند اللفظ

يا نفس لا تشاركي الجهالا

في حب مذموم كأن قد زالا

يا نفس لا تشقى ولا تعنى

في طلب الدنيا ولا تمنى

ما لم ينله أحد إلا ندم

إذا تولى ذاك عنه وسدم

78

دنياك بالأحباب والإخوان

كثيرة الآلام والأحزان

وهي وإن نيل بها السرور

آفاتها وغمها كثير

يا نفس لا يحملك حب أهلك

ولا أدانيك على أن تهلكي

في جمع ما يرضيهم فإنه

يضرب من أمثال ذاك الدخنه

79

ينال قوم عرفها وتحترق

رأي به يرضى أخو الرأي الحمق

وجدت ذا النسك الذي قد فكرا

فزاده تفكيره توقرا

وقل لما رضي اهتمامه

وتم من سروره تمامه

وترك الدنيا لمن يشقى بها

ومن يقاسي الكد من أنصابها

فعندها نجا من الشرور

ونال أقصى غاية السرور

ثم سخت عن كل فان نفسه

فلقي السعد وغاب نحسه

وأبصر الثواب في القيامه

فأمن الحسرة والندامه

ومثل الدنيا كبرق الخلب

من يغترر منه بسقي يكذب

وهو قياسا مثل نوم النائم

تفرحه أضغاث حلم الحالم

حتى إذا استيقظ صار هما

ما كان في النوم به ألما

فكيف بالصبر على أيام

عما قليل هن لانصرام

وكيف والدنيا بلاء كلها

لا يأمن الآفات فيها أهلها

أشهد أن الله فرد واحد

أقر أو أنكر ذاك جاحد

ليس له كفوا ولا ندا أحد

لم يلد الله ولا له ولد

وإنني بما عملت مرتهن

ما كان منه من قبيح وحسن

من باب الأسد والثور

وإن من كان دني النفس

يرضى من الأرفع بالأخس

كمثل الكلب الشقي البائس

يفرح بالعظم العتيق اليابس

وإن أهل الفضل لا يرضيهم

شيء إذا ما كان لا يعنيهم

كالأسد الذي يصيد الأرنبا

ثم إلى العير

80

المجد هربا

فيرسل الأرنب من أظفاره

ويتبع العير على أدباره

والكلب من رقته ترضيه

بلقمة تقذفها في فيه

فمن يعش ما عاش غير خامل

له سرور دائم ونائل

فهو وإن كان قصير العمر

أطول عمرا من حليف فقر

ومن يعش في وحشة وضيق

وقلة المعروف في الصديق

فهو وإن عمر طول دهره

ليس بمغبوط بطول عمره

وقيل أيضا إنه قد ينبغي

للرجل الفاضل فيما يبتغي

ألا يرى إلا مع الأملاك

81

أو يعبد الله مع النساك

كالفيل لا يصلح إلا مركبا

عصر المأمون · الصفحة ٣٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٢٣