تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن قوله يهجو أبا النضير:

إذا قامت بواكيك

وقد هتكن أستارك

أيثنين على قبر

ك أم يلعن أحجارك

وما تترك في الدنيا

إذا زرت غدا نارك

ترى في سقر المثوى

وإبليس غدا جارك

بلى تترك باكيك

ودنياك وأوتارك

وخمسا من بنات اللي

ل قد ألبسن أطمارك

تعالى الله ما أقب

ح إذ وليت أدبارك

خرج أبان من البصرة طالبا للاتصال بالبرامكة، وكان الفضل بن يحيى غائبا فقصده، فأقام ببابه مدة مديدة لا يصل إليه، فتوسل إلى من وصل له شعرا إليه؛ وقال له:

يا عزيز الندى ويا جوهر الجو

هر من آل هاشم بالبطاح

إن ظني، وليس يحلف ظني

بك في حاجتي سبيل النجاح

إن من دونها لمصمت باب

أنت من دون قفله مفتاحي

تاقت النفس يا خليل السماح

نحو بحر الندى مجاري الرياح

ثم فكرت كيف لي واستخرت

لله عند الإمساء والإصباح

وامتدحت الأمير أصلحه

لله بشعر مشهر الأوضاح

فقال: هات مديحك؛ فأعطاه شعرا في هذا الوزن وقافيته، ترى فيه أن الرجل معجب بنفسه، مدل بعلمه وأدبه، تياه لا حد لتيهه وغروره:

أنا من بغية الأمير وكنز

من كنوز الأمير ذو أرباح

كاتب حاسب خطيب أديب

ناصح زائد على النصاح

شاعر مفلق أخف من الري

شة مما يكون عند الجناح

وهي طويلة ذكرناها في المجلد الأول.

وكان أبان شديد الحرص على المال يضحي في سبيله بأشياء كثيرة، منها العقيدة والرأي. وكان يحسد مروان بن أبي حفصة لمكانه من الرشيد ولظفره بالصلات الضخمة والجوائز السنية؛ فقد انتهى الأمر ببني العباس مع مروان بن أبي حفصة إلى أن كانوا يمنحونه بالبيت ألف درهم، فغاظ ذلك أبان وأراد أن يصيب من أموال الرشيد ما كان يصيب مروان، فعاتب أبان البرامكة على تركهم إيصاله للرشيد وإيصال مديحه إليه؛ فقالوا له: ما تريد من ذلك؟ فقال: أريد أن أحظى منه بمثل ما يحظى به مروان بن أبي حفصة، فقالوا: إن لذلك مذهبا في هجاء آل أبي طالب وذمهم، به يحظى وعليه يعطى، فاسلكه حتى تفعل؛ قال: لا أستحل ذلك؛ قالوا: فما تصنع، لا يجيء طلب الدنيا إلا بما لا يحل! فقال أبان:

نشدت بحق الله من كان مسلما

أعم بما قد قلته العجم والعرب

أعم رسول الله أقرب زلفة

لديه أم ابن العم في رتبة النسب

وأيهما أولى به وبعهده

ومن ذا له حق التراث بما وجب

فإن كان عباس أحق بتلكم

وكان علي بعد ذاك على سبب

فأبناء عباس هم يرثونه

كما العم لابن العم في الإرث قد حجب

وهي طويلة.

فقال الفضل: ما يرد على أمير المؤمنين اليوم شيء أعجب من أبياتك. فركب فأنشدها الرشيد، فأمر لأبان بعشرين ألف درهم. ثم اتصل مدحه للرشيد بعد ذلك وخص به.

وكان أبان هجاء قبيح اللسان، وكان مع هذا شريرا قاسيا يؤثر الشر ويجد فيه لذة. وقد روى له أبو الفرج قصة تمثل نصيبه من القسوة وحب الشر، كما أنها تعطينا صورة من شعره ومن الحياة في عصره. قالوا: كان يقيم بالقرب من أبان رجل ثقفي يقال له: محمد بن خالد، وكان عدوا لأبان، فتزوج محمد هذا ثقفية معروفة هي عمارة بنت عبد الوهاب، وكانت عمارة غنية موفورة الثروة، فاغتاظ أبان لهذا الزواج، وقال هذه القصيدة التي بلغت عمارة فأفسدت زواجها:

لما رأيت البز والشاره

والفرش قد ضاقت به الحاره

واللوز والسكر يرمي به

من فوق ذي الدار وذي الداره

وأحضروا الملهين لم يتركوا

طبلا ولا صاحب زماره

قلت: لماذا قيل: أعجوبة

محمد زوج عماره

ماذا رأت فيه وماذا رجت

وهي من النسوان مختاره

أسود كالسفود ينسى لدى التن

ور بل محراك قياره

76

يجري على أولاده خمسة

أرغفة كالريش طيارة

وأهله في الأرض من خوفه

إن أفرطوا في الأكل سياره

ويحك فري واعصبي ذا به

فهذه أختك فراره

إذا غفا بالليل فاستيقظي

ثم اطفري

77

إنك طفاره

فصعدت نائلة سلما

تخاف أن تصعده الفاره «سرور» غرتها فلا أفلحت

فإنها اللخناء غراره

لو نلت ما أبعدت من ريقها

إن لها نفثة سحاره

فلما بلغت هذه القصيدة عمارة هربت، فحرم من جهتها مالا عظيما. والثلاثة الأبيات الأخيرة التي أولها:

عصر المأمون · الصفحة ٣٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٢٢