أمسى وأصبح موقوفا على التلف
قالوا لك الويل ما أبصرت قلت لهم
تطلعت من أعالي القصر ذي الشرف
فقلت أيكم والله يأجره
يعين قوته فيها على ضعف
فقام شيخ بهي من رجالهم
قد طالما خدع الأقوام بالحلف
فابتاعها لي بألفي درهم فأتى
بها إلي فألقاها على كتفي
فبين ذاك كذا إذ جاء صاحبها
يبغي الدراهم بالميزان ذي الكفف
وذكر حق على زند وصاحبه
والحق في طرف والطين في طرف
وبين ذاك شهود لا يضرهم
أكنت معترفا أم غير معترف
فإن يكن منك شيء فهو حقهم
أو لا فإني مدفعوع إلى التلف
فضحك العباس وقال: ويحك! أصادق أنت؟ قال: نعم والله، قال: يا غلام ادفع إليه ألفي درهم ثمنها، فأخذها ثم دخل على المهدي فأخبره القصة وما احتال له، فأمر له المهدي بستة آلاف درهم، وقال له المهدي: كيف لا يضرهم ذلك؟ قال: لأني معدم لا شيء عندي.
دخل على إسحاق الأزرق يعوده، وكان إسحاق قد مرض مرضا شديدا ثم تعافى منه وأفاق، فكان من ذلك ضعيفا وعند إسحاق طبيب يصف له أدوية تقوي بدنه، فقال أبو دلامة للطبيب: أتصف هذه الأدوية لرجل أضعفه المرض؟ ما أردت والله إلا قتله، ثم التفت إلى إسحاق فقال: اسمع أيها الأمير مني، قال: هات ما عندك يا أبا دلامة، فأنشأ يقول:
نح عنك الطبيب واسمع لنعتي
إنني ناصح من النصاح
ذو تجاريب قد تقلبت في الصح
ة دهرا وفي السقام المتاح
غاد هذا الكباب كل صباح
من متون الفتية السحاح
فإذا ما عطشت فاشرب ثلاثا
من عتيق في الشم كالتفاح
ثم عند المساء فاعكف على ذا
وعلى ذا بأعظم الأقداح
فتقوي ذا الضعف منك وتلقى
عن ليال أصح هذي الصحاح
فضحك إسحاق وعواده وأمر لأبي دلامة بخمسمائة درهم، وكان الطبيب نصرانيا فقال: أعوذ بالله من شرك يا ركل «يريد يا رجل»، وقال الطبيب: اقبل مني أصلحك الله ولا تسألني عن شيء قدامه، فقال أبو دلامة: أما وقد أخذت أجرة صفقتي وقضيت الحق في نصح صديقي فانعت له الآن أنت ما أحببت.
دخل على المهدي وبين يديه سلمة الوصيف واقفا، فقال: إني أهديت إليك يا أمير المؤمنين مهرا ليس لأحد مثله، فإن رأيت أن تشرفني بقبوله، فأمر بإدخاله إليه، فخرج وأدخل إليه دابته التي كانت تحته، فإذا برذون محطم أعجف هرم، فقال له المهدي: أي شيء هذا؟ ألم تزعم أنه مهر؟ قال له : أوليس هذا سلمة الوصيف بين يديك قائما، تسميه الوصيف وله ثمانون سنة، وهو عندك وصيف؟ فإذا كان سلمة وصيفا فهذا مهر، فجعل سلمة يشتمه والمهدي يضحك، ثم قال المهدي لسلمة: ويلك! إن لهذه منه أخوات، وإن أتى بها في محفل فضحك، فقال أبو دلامة: والله لأفضحنه يا أمير المؤمنين، فليس من مواليك أحد إلا وقد وصلني غيره، فإني ما شربت له الماء قط، قال: فقد حكمت عليه أن يشتري نفسه منك بألف درهم حتى يتخلص من يدك، قال: قد فعلت على ألا يعاود، فقال له: ما ترى؟ قال: أفعل، فلولا أني ما أخذت منه شيئا قط ما فعلت معه مثل هذه، فمضى سلمة فحملها إليه. (5) أبان بن عبد الحميد اللاحقي
75
ذكرنا في المجلد الأول أن أبان كان صديقا للبرامكة متصلا بهم أشد اتصال، يستشيرونه ويعتمدون عليه في تدبير أمورهم، جدها وهزلها، صعبها وهينها. وكانوا قد اتخذوه أديبهم الرسمي، وبالغوا في ذلك حتى جعلوا إليه امتحان الشعراء وتقدير ما يستحقون من الجوائز والصلات. فغضب الشعراء لذلك؛ وكان أشدهم غضبا أبو نواس الذي كان يكره البرامكة كرها شديدا، وكانت بينه وبين أبان مهاجاة ذكرها صاحب الأغاني.
وكان أبان صديقا للمعذل بن غيلان، وكانا مع صداقتهما يتعابثان بالهجاء، فيهجوه المعذل بالكفر وينسبه إلى الشؤم. ويهجوه أبان وينسبه إلى الفساء الذي تهجى به عبد القيس وبالقصر، وكان المعذل قصيرا. فسعى في الإصلاح بينهما أبو عيينة المهلبي، فقال له أخوه عبد الله وهو أسن منه: يا أخي إن في هذين شرا كثيرا ولا بد من أن يخرجاه، فدعهما ليكون شرهما بينهما وإلا فرقاه على الناس.