لا يسألونك غير طل سحابة
تغشاهم من سيلك المتحلب
يا باذل الخيرات يابن بذولها
وابن الكرام وكل قرم منجب
أنتم بنو العباس يعلم أنكم
قدما فوارس كل يوم أشهب
أحلاس
72
خيل الله وهي مغيرة
يخرجن من خلل الغبار الأكهب
فأمر له بدار يسكنها وكسوة ودراهم، وكانت الدار قريبة من قصره، فأمر أن تزاد في قصره بعد ذلك لحاجة دعته إليها، فدخل عليه أبو دلامة فأنشده قوله:
يابن عم النبي دعوة شيخ
قد دنا هدم داره ودماره
فهو كالماخض التي اعتادها الطل
ق فقرت وما يقر قراره
إن تحز عسرة بكفيك يوما
فبكفيك عسره ويساره
أو تدعه فللبوار وأنى
ولماذا وأنت حي بواره
هل يخاف الهلاك شاعر قوم
قدمت في مديحهم أشعاره
لكم الأرض كلها فأعيروا
شيخكم ما احتوى عليه جداره
فكأن قد مضى وخلف فيكم
ما أعرتم وأقفرت منه داره
فاستعبر المنصور وأمر بتعويضه دارا خيرا منها ووصله.
دخل على المهدي يوما وعنده محرز ومقاتل ابنا ذؤال يعاتبانه على تقريبه أبا دلامة ويعيبانه عنده فقال:
ألا أيها المهدي هل أنت مخبري
وإن أنت لم تفعل فهل أنت سائلي
ألم ترحم اللحيين من لحيتيهما
وكلتاهما في طولها غير طائل
وإن أنت تفعل فهل أنت مكرمي
بحلقهما من محرز ومقاتل
فإن يأذن المهدي لي فيهما أقل
مقالا كوقع السيف بين المقاتل
وإلا تدعني والهموم تنوبني
وقلبي من العلجين جم البلابل
فقال: أو آخذ لك منهما عشرة آلاف درهم يفديان بهما أعراضهما منك، قال: ذلك إلى أمير المؤمنين، فأخذها له منهما وأمسك عنهما.
دخل على أم عبيدة حاضنة موسى وهارون، فدفع إليها رقعة قد كتبها إلى الخيزران فيها:
أبلغي سيدتي بالل
ه يا أم عبيده
أنها أرشدها الل
ه وإن كانت رشيده
وعدتني قبل أن تخ
رج للحج وليده
فتأنيت وأرسل
ت بعشرين قصيده
كلما أخلقن أخلف
ت لها أخرى جديده
ليس في بيتي لتمهي
د فراشي من قعيده
غير عجفاء عجوز
ساقها مثل القديده
وجهها أقبح من حو
ت طري في عصيده
ما حياة مع أنثى
مثل عرسي بسعيده
فلما قرئت عليها الأبيات ضحكت واستعادتها منه لقوله: «حوت طري في عصيدة» وجعلت تضحك ووهبت له جارية.
دخل يوما على المهدي فحادثه ساعة وهو يضحك وقال له: هل بقي أحد من أهلي لم يصلك؟ قال: إن أمنتني أخبرتك وإن أعفيتني فهو أحب إلي، قال: بل تخبرني وأنت آمن، قال: كلهم قد وصلني إلا حاتم بني العباس، قال: ومن هو؟ قال: عمك العباس بن محمد، فالتفت إلى خادم على رأسه وقال: جأ عنقه، فلما دنا منه صاح به أبو دلامة: تنح يا عبد السوء لا تحنث مولاك وتنكثه عهده وأمانه، فضحك المهدي وأمر الخادم فتنحى عنه، ثم قال لأبي دلامة: ويلك! والله عمي أخبل الناس، فقال أبو دلامة: بل هو أسخى الناس، فقال له المهدي: والله لو مت ما أعطاك شيئا، قال: فإن أنا أتيته فأجازني؟ قال: لك بكل درهم تأخذه منه ثلاثة دراهم، فانصرف أبو دلامة فحبر للعباس قصيدة، ثم غدا بها عليه وأنشده:
قف بالديار وأي الدهر لم تقف
على المنازل بين الظهر والنجف
وما وقوفك في أطلال منزلة
لولا الذي استدرجت من قلبك الكلف
إن كنت أصبحت مشغوفا بساكنها
فلا وربك لا تشفيك من شغف
دع ذا وقل في الذي قد فاز من مضر
بالمكرمات وعز غير مقترف
هذي رسالة شيخ من بني أسد
يهدي السلام إلى العباس في الصحف
تخطها من جواري المصر كاتبة
قد طالما ضربت في اللام والألف
وطالما اختلفت صيفا وشاتية
إلى معلمها باللوح والكتف
73
حتى إذا نهد الثديان وامتلآ
منها وخيفت على الإسراف والقرف
صينت ثلاث سنين ما ترى أحدا
كما يصون تجار درة الصدف
فبينما الشيخ يهوي نحو مجلسه
مبادرا لصلاة الصبح بالسدف
74
حانت له لمحة منها فأبصرها
مطلة بين سجفيها من الغرف
فخر والله ما يدري غداتئذ
أخر منكشفا أم غير منكشف
وجاءه الناس أفواجا بمائهم
ليغسلوا الرجل المغشي بالنطف
ووسوسوا بقران في مسامعه
فخافه الجن والإنسان لم يخف
شيئا ولكنه من حب جارية