تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أم لا ففي جلده من خشنة برش

67

أضحى الصيام منيخا وسط عرصتنا

ليت الصيام بأرض دونها جرش

إن صمت أوجعني بطني وأقلقني

بين الجوانح مس الجوع والعطش

وإن خرجت بليل نحو مسجدهم

اضرني بصر قد خانه العمش

دخل أبو دلامة على سعيد بن دعلج مولى بني تميم فقال:

إذا جئت الأمير فقال سلام

عليك ورحمة الله الرحيم

وأما بعد ذاك فلي غريم

من الأعراب قبح من غريم

غريم لازم بفناء بيتي

لزوم الكلب أصحاب الرقيم

له مائة علي ونصف أخرى

ونصف النصف في صك قديم

دراهم ما انتفعت بها ولكن

وصلت بها شيوخ بني تميم

أتوني بالعشيرة يسألوني

ولم أك في العشيرة باللئيم

فأمر له بمائتين وخمسة وسبعين درهما وقال: ما أساء من أنصف، وقد كافأتك عن قومك وزدتك مائة.

دخل أبو دلامة على المهدي فأنشده قصيدته في بغلته المشهورة:

أتاني، بغلة يستام مني،

عريق في الخسارة والضلال

فقال تبيعها قلت ارتبطها

بحكمك إن بيعي غير غال

فأقبل ضاحكا نحوي سرورا

وقال أراك سمحا ذا جمال

هلم إلي يخلو بي خداعا

وما يدري الشقي لمن يخالي

فقلت بأربعين، فقال أحسن

إلي فإن مثلك ذو سجال

فأترك خمسة منها لعلمي

بما فيه يصير من الخبال

فقال المهدي: لقد أفلت من بلاء عظيم، قال: والله يا أمير المؤمنين لقد مكثت شهرا أتوقع صاحبها أن يردها، ثم أنشده:

فأبدلني بها يا رب طرفا

يكون جمال مركبه جمالي

فقال لصاحب دوابه: خيره من الإصطبل بين مركبين، قال: يا أمير المؤمنين إن كان الاختيار لي وقعت في شر من البغلة، ولكن مره أن يختار لي، فاختار له.

خاصم رجل أبا دلامة في داره فارتفعا إلى عافية القاضي، فأنشأ أبو دلامة يقول:

لقد خاصمتني دهاة الرجال

وخاصمتها سنة وافيه

فما أدحض الله لي حجة

ولا خيب الله لي قافيه

ومن خفت من جوره في القضاء

فلست أخافك يا عافيه

فقال له عافية: والله لأشكونك إلى أمير المؤمنين، ولأعلمنه أنك هجوتني، قال: إذن يعزلك، قال: ولمه؟ قال: لأنك لا تعرف المديح من الهجاء، فبلغ ذلك المنصور فضحك وأمر لأبي دلامة بجائزة.

دخل أبو دلامة على المهدي وعنده إسماعيل بن محمد وعيسى بن موسى والعباس ابن محمد ومحمد بن محمد بن إبراهيم الإمام وجماعة من بني هاشم فقال له: أنا أعطي الله عهدا لئن لم تهج واحدا ممن في البيت لأقطعن لسانك، فنظر إليه القوم، فكلما نظر إلى واحد منهم غمزه بأن عليه رضاه، قال أبو دلامة: فعلمت أني قد وقعت وأنها عزمة من عزماته لا بد منها؛ فلم أر أحدا أحق بالجهاء مني، ولا أدعى إلى السلامة من هجاء نفسي؛ فقلت:

ألا أبلغ لديك أبا دلامه

فليس من الكرام ولا كرامه

إذا لبس العمامة كان قردا

وخنزيرا إذا نزع العمامه

جمعت دمامة وجمعت لؤما

كذاك اللؤم تتبعه الدمامه

فإن تك قد أصبت نعيم دنيا

فلا تفرح فقد دنت القيامه

فضحك القوم ولم يبق منهم أحد إلا أجازه.

خرج المهدي وعلي بن سليمان إلى الصيد، فسنح لهما قطيع من الظباء، فأرسلت الكلاب وأجريت الخيل، فرمى المهدي ظبيا بسهم فصرعه، ورمى علي بن سليمان، فأصاب بعض الكلاب فقتله، فقال أبو دلامة:

قد رمى المهدي ظبيا

شك بالسهم فؤاده

وعلي بن سليما

ن رمى كلبا فصاده

فهنيئا لهما كل

امرئ يأكل زاده

فضحك المهدي حتى كاد يسقط عن سرجه وقال: صدق والله أبو دلامة؛ وأمر له بجائزة سنية، فلقب علي بن سليمان صائد الكلب، وعلق به.

أنشد أبو دلامة المنصور يوما:

هاتيك والدتي عجوز همة

68

مثل البلية درعها في المشجب

69

مهزولة اللحيين من يرها يقل

أبصرت غولا أو خيال القطرب

70

ما إن تركت لها ولا لابن لها

مالا يؤمل غير بكر أجرب

ودجائجا خمسا يرحن إليهم

لما يبضن وغير عنز مغرب

71

كتبوا إلي صحيفة مطبوعة

جعلوا عليها طينة كالعقرب

فعلمت أن الشر عند فكاكها

ففككتها عن مثل ريح الجورب

وإذا شبيه بالأفاعي رقشت

يوعدنني بتلمظ وتثؤب

يشكون أن الجوع أهلك بعضهم

لزبا فهل لك في عيال لزب

عصر المأمون · الصفحة ٣١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣١٩