تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معاوي إلا تعطنا الحق تعترف

لحي الأزد مشدودا عليها العمائم

حتى قوله:

إليهم يصير الأمر بعد شتاته

فمن لك بالأمر الذي هو لازم

بهم شرع الله الهدى فاهتدى بهم

ومنهم له هاد إمام وخاتم

وإنا نحيل القارئ إلى الكتاب الأول من المجلد الثاني ليقف على قصيدة النعمان هذه، وليقف كذلك على قصيدته الرائية الأخرى التي أنشدها معاوية لما ضرب مروان بن الحكم عبد الرحمن بن حسان الحد ولم يضرب أخاه حين تهاجيا وتقاذفا، وتحرير الخبر فيها أنه لما كثر الهجاء بين عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاصي وتفاحشا، كتب معاوية إلى سعيد بن العاصي، وهو عامله على المدينة، أن يجلد كل واحد منهما مائة سوط - وكان ابن حسان صديقا لسعيد وما مدح أحدا غيره قط - فكره أن يضرب أو يضرب ابن عمه، فأمسك عنهما، ثم ولي مروان، فلما قدم أخذ ابن حسان فضربه مائة سوط ولم يضرب أخاه، فكتب ابن حسان إلى النعمان بن بشير وهو بالشام - وكان كبيرا أثيرا مكينا عند معاوية - قال:

ليت شعري أغائب أنت بالش

ام خليلي أم راقد نعمان؟

أية ما يكن فقد يرجع الغ

ائب يوما ويوقظ الوسنان

إن عمرا وعامرا أبوينا

وحراما قدما على العهد كانوا

أفهم مانعوك أم قلة الكت

تاب أم أنت عاتب غضبان؟

أم جفاء أم أعوزتك القراطي

س أم امري به عليك هوان؟

يوم أنبئت أن ساقي رضت

وأتتكم بذلك الركبان

ثم قالوا إن ابن عمك في بل

وى أمور أتى بها الحدثان

فنسيت الأرحام والود والصح

بة فيما أتت به الأزمان

إنما الرمح - فاعلمن - قناة

أو كبعض العيدان لولا السنان

وهي قصيدة طويلة. فدخل النعمان بن بشير على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أمرت سعيدا بأن يضرب ابن حسان وابن الحكم مائة سوط، فلم يفعل، ثم وليت مروان فضرب ابن حسان ولم يضرب أخاه، قال: فتريد ماذا؟ قال: أريد أن تكتب إليه بمثل ما كتبت إلى سعيد، فكتب إليه معاوية يعزم عليه أن يضرب أخاه مائة؛ فضربة خمسين وبعث إلى ابن حسان بحلة وسأله أن يعفو عن خمسين، ففعل وقال لأهل المدينة: إنما ضربني حد الحر وضربه حد العبد خمسين، فشاعت الكلمة حتى بلغت ابن الحكم، فجاء إلى أخيه فأخبره وقال: «لا حاجة لي فيما عفا عنه ابن حسان»، فبعث إليه مروان: «لا حاجة لنا فيما تركت، فهلم فاقتص من صاحبك»، فحضر، فضربه مروان خمسين أخرى. ا.ه. •••

ويجدر بنا الآن بعد أن أوضحنا ميزة استعمال الشعر في الأغراض السياسية في الدولة الأموية، أن نسمح لأنفسنا بتقييد ملاحظة قد لا تخلو من نفع فيما سنعالجه، وهي أن تلك الأغراض السياسية سمحت للشعراء بما لم تسمح به لسواهم من إعفائهم من إقامة الحدود.

وقد سبق لنا أن أشرنا إلى كتاب معاوية إلى مروان بن الحكم في صدد حده للشاعر المناصر لسياسة بني أمية، وهو عبد الرحمن بن أرطاة المعروف بأبي سيحان، وكان حده لشربه الخمر. وابن سيحان هذا هو الذي قال في صفته أبو الفرج الأصفهاني:

كان عبد الرحمن شاعرا مقلا إسلاميا، ليس من الفحول المشهورين ولكنه كان يقول في الشراب والغزل ومدح أحلافه من بني أمية، وهو أحد المعاقرين للشراب والمحدودين فيه، وكان مع بني أمية كواحد منهم، إلا أن اختصاصه بآل أبي سفيان وآل عثمان خاصة كان أكثر، وخصوصه بالوليد بن عثمان ومؤانسته إياه أزيد من خصوصه بسائرهم؛ لأنهما كانا يتناوبان على الشراب.

ونريد الآن أن نفسر هذه الحادثة تفسيرا معتدلا لنخرج منها بما عساه يمدنا وينفعنا فيما سنقدم عليه من مناقشة العصور التي تلت هذا العصر، تلك العصور التي تغذت، من غير شك، بأفاويق العصر الأموي الذي تقدمها، فنبتت فيها بذوره حتى كادت تنمو في حديقته الأنف الحسانة دوحات خطرة على الاعتبارات الخلقية التي تووضع عليها.

وإنك إذا رجعت إلى كتاب معاوية، ورجعت إلى كتاب الأغاني نفسه، ومؤلفه أموي كما تعلم، وجدته قد أقام الحجة في غير موضع على أن هذا الشاعر عاقر الخمر؛ وهاك ما يؤيد ذلك ويعززه:

عصر المأمون · الصفحة ٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٢