تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال: كان الوليد بن عثمان ذا غلة في الحجاز يخرج إليها في زمان الثمر بنفر من قومه، يجنون له ويعاونونه، فكان إذا حضر خروجهم دفع إليهم نفقات لأهليهم إلى رجعتهم، فخرج بهم مرة كما كان يخرج وفيهم ابن سيحان، فأتى ابن سيحان كتاب من أهله يسألونه القدوم لحاجة لا بد منها، فاستأذنه فأذن له، فقال له ابن سيحان: زودوني من شرابكم هذا. فزودوه إداوة ملأها له من شرابهم، فكان يشربها في طريقه حتى قدم على أهله، فألقاها في جانب بيته فارغة، فمكث زمانا لا يذكرها حتى كنسوا البيت فرآها ملقاة في الكناسة فقال:

لا تبعدن إداوة مطروحة

كانت حديثا للشراب العاتق

إن تصبحي لا شيء فيك فربما

أترعت من كأس تلذ لذائق

بأبي الوليد وأم نفسي كلما

بدت النجوم وذر قرن الشارق

كم عنده من نائل وسماحة

وشمائل ميمونة وخلائق

وكرامة للمعتفين إذا اعتفوا

في ماله حقا وقول صادق

أثوى فأكرم في الثواء وقضيت

حاجاتنا من عند أروع باسق

لما أتيناه أتينا ماجد ال

أخلاق سباقا لقرم سابق

قال الوليد يدي لكم رهن بما

حاولتمو من صامت أو ناطق

فإني الوليد اليوم حنت ناقتي

تهوي بمغبر المتون سمالق

حنت إلى برق فقلت لها قري

بعض الحنين فإن شجوك شائقي

فهذا اعتراف صريح بمعاقرته للخمر، ثم لنثبت هنا قصيدته التي مدح بها معاوية:

إني امرؤ أنمى إلى أفضل الورى

عديدا إذا ارفضت عصا المتخلف

إلى نضد من عبد شمس كأنهم

هضاب أجا أركانها لم تقصف

ميامين يرضون الكفاية إن كفوا

ويكفون ما ولوا بغير تكلف

غطارفة ساسوا البلاد فأحسنوا

سياستها حتى أقرت لمردف

فمن يك منهم موسرا يغش فضله

ومن يك منهم معسرا يتعفف

وإن تبسط النعمى لهم بسطوا بها

أكفا سباطا نفعها غير مقرف

وإن تزو عنهم لا يضجوا وتلفهم

قليلي التشكي عندها والتكلف

إذا انصرفوا للحق يوما تصرفوا

إذا الجاهل الحيران لم يتصرف

سموا فعلوا فوق البرية كلها

ببنيان عال من منيف ومشرف

وكان من حظها أن كتب معاوية أن يعطى أربعمائة شاة وثلاثين لقحة مما يوطن السيالة غير ما أعطاه سواه.

ومهما يكن الواقع الذي حدا ابن الحكم إلى حده، فإن السياسة الحزبية ومدائح ابن سيحان في معاوية، واستعمال الأخير الشعراء في مناصرة بيته، كل ذلك دفع بمعاوية إلى كتابة ما كتب لابن الحكم أولا، ثم للوليد بن عتبة ثانية، حتى اضطره لرفده بخمسمائة دينار مما وصفه صاحب الأغاني؛ فكانت الغلبة للشعر لا للشرع، وللغاية السياسية لا الدينية، فلنقيد هذه الملاحظة فقط بلا توسع ولا إسهاب. •••

وبعد، فلنلخص ما تقدم عن شعراء السياسة، وهم العنصر الهام الذي لعب دورا بارزا في الأدب العربي في العصر الأموي، والذي كان له أثره ونتائجه في العصر العباسي، في كلمة ختامية في هذا الموضوع نبين فيها جماعة الشعراء السياسيين وألوانهم السياسية.

كان جل شعراء هذا الدور أمويين؛ فإنا نجد إلى جانب شعراء الدور الأول من أنصار بني أمية شعراء آخرين أخذوا بناصرهم ودافعوا عن كيانهم، مثل أبي العباس الأعمى هجاء ابن الزبير، وأبي قطيفة طريد ابن الزبير، وأبي صخر الهذلي المتعصب لآل مروان وهجاء ابن الزبير، وعدي بن الرقاع، والوليد بن أمية بن عائذ الهذلي، وجبيهاء الأشجعي، والحكم بن عبدل الأسدي، والسلولي، وموسى شهوات وغيرهم.

والشعراء العلويون وفي طليعتهم النعمان بن بشير الأنصاري، والكميت بن يزيد، وأيمن بن خريم، على أن الأخيرين اضطرا إلى امتداح بني أمية ومسايرتهم، فإنا نجد الكميت قد مدح هشاما، كما نجد أيمن مدح عبد الملك، ثم نجد شعراء دون ذلك، مثل أنصار آل المهلب بن أبي صفرة؛ كزياد الأعجم، وثابت قطنة، وحمزة بن بيض، وكعب الأشقري وغيرهم، وأخيرا نجد حزب آل الزبير، ومن شعرائه عبد الله بن الزبير الأسدي.

وصفوة القول أن المعركة السياسية بين بني أمية ومنافسيهم في الملك أو الجاه وما يتبعهما من إغداق الأموال والعطايا على أنصار كل فريق، جعلت هوى الشعراء مع من أحسن إليهم، واللها تفتح اللها. •••

عصر المأمون · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٣