مثل آخر ذكره صاحب كتاب الأخبار الطوال، وهو بمثابة معركة مذهبية سياسية بين نصير معاوية ونصير علي، بين كعب بن جعيل والنجاشي، وهاك قصيدة كل منهما؛ قال كعب بن جعيل:
أرى الشام تكره ملك العرا
ق وأهل العراق لهم تاركونا
وكل لصاحبه مبغض
يرى كل ما كان من ذاك دينا
وقالوا علي إمام لنا
فقلنا رضينا ابن هند رضينا
وقالوا نرى أن تدينوا لنا
فقلنا لهم لا نرى أن ندينا
وكل يسر بما عنده
يرى غث ما في يديه سمينا
وما في علي بمستعتب
منال سوى ضمه المحدثينا
وليس براض ولا ساخط
ولا في النهاة ولا الآمرينا
ولا هو ساء ولا هو سر
ولا بد من بعد ذا أن يكونا
فلما قرأه علي رضي الله عنه قال للنجاشي: أجب، فقال:
دعن معاوي ما لن يكونا
فقد حقق الله ما تحذرونا
أتاكم علي بأهل العرا
ق وأهل الحجاز فما تصنعونا؟
يرون الطعان خلال العجا
ج وضرب القوانس
5
في النقع دينا
هم هزموا الجمع جمع الزبير
وطلحة والمعشر الناكثينا
فإن يكره القوم ملك العراق
فقدما رضينا الذي تكرهونا
فقالوا لكعب أخي وائل
ومن جعل الغث يومنا سمينا
جعلتم عليا وأشياعه
نظير ابن هند ألا تستحونا؟
وهاك مثلا آخر ذكره صاحب الأغاني في ترجمة النعمان بن بشير قال: تشبب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية فقال:
رمل هل تذكرين يوم غزال
إذ قطعنا مسيرنا بالتمني
إذ تقولين عمرك الله هل شي
ء وإن جل سوف يسليك عني؟
أم هل اطمعت يا ابن حسان في ذا
ك كما قد أراك أطمعت مني؟
قال: فبلغ ذلك يزيد بن معاوية فغضب ودخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، ألا ترى إلى هذا العلج من أهل يثرب يتهكم بأعراضنا، ويشبب بنسائنا؟! فقال: ومن هو؟ قال: عبد الرحمن بن حسان، فأنشده ما قال، فقال: يا يزيد، ليست العقوبة من أحد أقبح منها بذوي المقدرة، ولكن أمهل حتى يقدم وفد الأنصار ثم ذكرني به، فلما قدموا ذكره به؛ فلما دخلوا قال: يا عبد الرحمن، ألم يبلغني أنك تشبب برملة بنت أمير المؤمنين! قال: بلى، ولو علمت أن أحدا أشرف بشعري منها لذكرته، قال: أين أنت عن أختها هند؟ قال: وإن لها لأختا يقال لها: هند؟ قال: نعم! وإنما أراد معاوية أن يشبب بهما جميعا فيكذب نفسه، فلم يرض ذلك يزيد بن معاوية وما كان منه معه، فأرسل إلى كعب بن جعيل فقال له: اهج الأنصار، فقال: أفرق من أمير المؤمنين، ولكن أدلك على الشاعر الكافر الماهر الأخطل، قال فدعاه فقال له: اهج الأنصار، فقال: أفرق من أمير المؤمنين، قال: لا تخف شيئا؛ أنا لك بذلك. فهجاهم فقال:
وإذا نسبت ابن القريعة خلته
كالجحش بين حمارة وحمار
لعن الإله من المهور عصابة
بالجزع بين صليصل وصدار
قوم إذا هدر العصير رأيتهم
حمرا عيونهمو من المصطار
خلوا المكارم لستمو من أهلها
وخذوا مساحيكم بني النجار
إن الفوارس يعرفون ظهوركم
أولاد كل مقبح أكار
ذهبت قريش بالمكارم كلها
واللؤم تحت عمائم الأنصار
فبلغ ذلك النعمان بن بشير، فدخل على معاوية فحسر عمامته عن رأسه وقال: يا أمير المؤمنين، أترى لؤما؟ قال: لا، بل أرى كرما وخيرا، فماذا؟ قال: زعم الأخطل أن اللؤم تحت عمائم الأنصار، قال: أوفعل ذلك؟ قال: نعم، قال: لك لسانه. وكتب فيه أن يؤتي به، فلما أتي به سأل الرسول أن يدخله إلى يزيد أولا، فأدخله عليه، فقال: هذا الذي كنت أخاف، قال: لا تخف شيئا، ودخل على معاوية فقال: علام أرسل إلى هذا الذي يمدحنا ويرمي من وراء حجرتنا؟ قال: هجا الأنصار، قال: ومن زعم ذلك؟ قال: النعمان بن بشير، قال: لا تقبل قوله وهو المدعي لنفسه، ولكن تدعوه بالبينة، وإن أثبت شيئا أخذت له، فدعاه بالبينة فلم يأت بها، فخلاه، فقال الأخطل:
وإني وإن استعرت أم مالك
لراض من السلطان أن يتهددا
ولولا يزيد ابن الملوك وسعيه
تحللت جرباذا من الشر أنكدا
أما رد النعمان على الأخطل فهاكه كما نقله أبو الفرج الأصبهاني عن خالد بن كلثوم: