وصبوح وغبوق
في علاب أحتسيها
ما أبالي ليلة القد
ر ولا تسمعنيها
فاطلبي لي فرجا من
ها وأجري لك فيها
فلما قرأت الرقعة ضحكت وأرسلت إليه: اصطبر حتى مضي ليلة القدر، فكتب إليها: إني لم أسألك أن تكلميه في إعفائي عاما قابلا ، وإذا مضت ليلة القدر فقد فني الشهر، وكتب تحتها أبياتا:
خافي إلهك في نفس قد احتضرت
قامت قيامتها بين المصلينا
ما ليلة القدر من همي فأطلبها
إني أخاف المنايا قبل عشرينا
يا ليلة القدر قد كسرت أرجلنا
يا ليلة القدر حقا ما تمنينا
لا بارك الله في خير أؤمله
في ليلة بعد ما قمنا ثلاثينا
فلما قرأت الرقعة ضحكت ودخلت إلى المهدي فشفعت له إليه وأنشدته الأبيات، فضحك حتى استلقى ودعا به وريطة معه في الحجلة، فدخل، فأخرج رأسه إليه وقال: قد شفعنا ريطة فيك وأمرنا لك بسبعة آلاف درهم، فقال: أما شفاعة سيدتي في حتى أعفيتني فأعفاها الله من من النار، وأما السبعة الآلاف فما أعجبني ما فعلته إما أن تتمها بثلاثة آلاف فتصير عشرة أو تنقصني منها ألفين فتصير خمسة آلاف، فإني لا أحسن حساب السبعة، فقال: قد جعلتها خمسة، فقال: أعيذك بالله أن تختار أدنى الحالين وأنت أنت، فعبث به المهدي ساعة، ثم تكلمت فيه ريطة، فأتمها له عشرة آلاف درهم.
شرب أبو دلامة في بعض الحانات فسكر وانصرف وهو يميل، فلقيه العسس، فأخذوه وقالوا له: من أنت، وما دينك؟ فقال:
ديني على دين بني العباس
ما ختم الطين على القرطاس
إني اصطحبت أربعا بالكاس
فقد أدار شربها براسي
فهل بما قلت لكم من باس
فأخذوه ومضوا وخرقوا ثيابه وساجه،
66
وأتى به أبو جعفر، وكان يؤتى بكل ما أخذه العسس، فحبسه مع الدجاج في بيت، فلما أفاق جعل ينادي غلامه مرة وجاريته مرة، فلم يجبه أحد، وبينما هو في ذلك إذ سمع صوت الدجاج وزقاء الديوك، فلما أكثر قال له السجان: ما شأنك؟ قال: ويلك من أنت؟ وأين أنا؟ قال: في الحبس وأنا فلان السجان، قال: من حبسني؟ قال: أمير المؤمنين، قال: ومن خرق طيلساني؟ قال: الحرس، فطلب منه أن يأتيه بدواة وقرطاس، ففعل، فكتب إلى أبي جعفر:
أمير المؤمنين فدتك نفسي
علام حبستني وخرقت ساجي
أمن صفراء صافية المزاج
كأن شعاعها لهب السراج
وقد طبخت بنار الله حتى
لقد صارت من النطف النضاج
تهش لها القلوب وتشتهيها
إذا برزت ترقرق في الزجاج
أقاد إلى السجون بغير جرم
كأني بعض عمال الخراج
ولو معهم حبست لكان سهلا
ولكني حبست مع الدجاج
فدعا به وقال: أين حبست يا أبا دلامة؟ قال: مع الدجاج، قال: فما كنت تصنع؟ قال: أقوق معهن حتى أصبحت، فضحك وخلى سبيله وأمر له بجائزة، فلما خرج قال له الربيع: إنه شرب الخمر يا أمير المؤمنين، أما سمعت قوله: وقد طبخت بنار الله، يعني الشمس؟ فأمر برده، ثم قال: يا خبيث، شربت الخمر؟ قال: لا، قال: أفلم تقل طبخت بنار الله تعني الشمس؟ قال: لا والله ما عنيت إلا نار الله الموقدة التي تطلع على فؤاد الربيع، فضحك وقال: خذها يا ربيع ولا تعاود.
صام الناس في سنة شديدة الحر على عهد المهدي، وكان أبو دلامة يتنجز جائزة أمر له المهدي بها، فكتب إليه أبو دلامة رقعة يشكو فيها أذى الحر والصوم، وهي:
أدعوك بالرحم التي قد جمعت
في القرب بين قريبنا والأبعد
إلا سمعت وأنت أكرم من مشى
من منشد يرجو جزاء المنشد
جاء الصيام فصمته متعبدا
أرجو رجاء الصائم المتعبد
ولقيت من أمر الصيام وحره
أمرين قيسا بالعذاب المؤصد
وسجدت حتى جبهتي مشجوجة
مما يناطحني الحصا في المسجد
فامنن بتسريحي بمطلك بالذي
أسلفتنيه من البلاء المرصد
فلما قرأ المهدي رقعته غضب وقال: أي قرابة بيني وبينك؟ قال: رحم آدم وحواء، أنسيتهما يا أمير المؤمنين! فضحك وقال: لا والله ما نسيتهما، وأمر بتعجيل ما أجازه به وزاد فيه، وأنشده أيضا في ذم الصوم:
هل في البلاد لرزق الله مفترش