64
وعيناه تقدان، فأسرع لي، فقلت له: على رسلك يا هذا، كما أنت، فوقف، فقلت: أتقتل من لا يقاتلك؟ قال: لا، قلت: أتقتل رجلا على دينك؟ قال: لا، قلت: أفتستحل ذلك قبل أن تدعو من تقاتله إلى دينك؟ قال: لا، فاذهب عني إلى لعنة الله، قلت: لا أفعل أو تسمع مني، قال: قل، قلت: هل كانت بيننا قط عدواة أو ترة أو تعرفني بحال تحفظك علي أو تعلم بيني وبين أهلك وترا، قال: لا والله، قلت: ولا أنا والله أضمر لك إلا جميل الرأي، وإني لأهواك وأنتحل مذهبك، وأدين دينك، وأريد السوء لمن أراده لك، قال: يا هذا جزاك الله خيرا فانصرف، قلت: إن معي زادا أحب أن آكله معك وأحب مواكلتك لتتأكد المودة بيننا ويرى أهل العسكر هوانهم علينا، قال: فافعل، فتقدمت إليه حتى اختلفت أعناق دوابنا، وجمعنا أرجلنا على معارفها والناس قد غلبوا ضحكا، فلما استوفينا ودعني، ثم قلت له: إن هذا الجاهل إن أقمت على طلب المبارزة ندبني إليك فتتعبني وتتعب نفسك، فإن رأيت ألا تبرز اليوم فافعل، قال: قد فعلت، ثم انصرف وانصرفت فقلت لروح: أما أنا فقد كفيتك قرني، فقل لغيري أن يكفيك قرنه كما كفيتك، فأمسك، وخرج آخر يدعو إلى البراز، فقال لي: اخرج إليه، فقلت:
إني أعوذ بروح أن يقدمني
إلى البراز فتخزى بي بنو أسد
إن البراز إلى الأقران أعلمه
مما يفرق بين الروح والجسد
قد حالفتك المنايا إن صمدت لها
وأصبحت لجميع الخلق بالرصد
إن المهلب حب الموت أورثكم
وما ورثت اختيار الموت عن أحد
لو أن لي مهجة أخرى لجدت بها
لكنها خلقت فردا فلم أجد
فضحك وأعفاني.
قال أبو أيوب المورياني لأبي جعفر وكان يشنأ أبا دلامة: إن أبا دلامة معتكف على الخمر، فما يحضر صلاة ولا مسجدا وقد أفسد فتيان العسكر، فلو أمرته بالصلاة معك لأجرت فيه وفي غيره من فتيان عسكرك بقطعه عنهم، فلما دخل عليه أبو دلامة قال له: ما هذا المجون الذي يبلغني عنك؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما أنا والمجون وقد شارفت باب قبري! قال: دعني من استكانتك وتضرعك، وإياك أن تفوتك الظهر والعصر في مسجدي، فلئن فاتتاك لأحسنن أدبك ولأطيلن حبسك، فوقع في شر ولزم المسجد أياما، ثم كتب قصة ودفعها إلى المهدي فأوصلها إلى أبيه وكان فيها:
ألم تعلما أن الخيلفة لزني
65
بمسجده والقصر، مالي وللقصر
أصلي به الأولى جميعا وعصرها
فويلي من الأولى وويلي من العصر
أصليهما بالكره في غير مسجدي
فمالي في الأولى ولا العصر من أجر
لقد كان في قومي مساجد جمة
ولم ينشرح يوما لغشيانها صدري
يكلفني من بعد ما شبت خطة
يحط بها عني الثقيل من الوزر
وما ضره والله يغفر ذنبه
لو ان ذنوب العالمين على ظهري
فقال: صدق، ما يضرني ذلك، والله لا يصلي هذا أبدا، فدعوه يعمل ما يشاء.
وقال الهيثم في خبره: قد أعفيناك من هذا الحال، ولكن على ألا تدع القيام معنا في ليالي شهر رمضان فقد أظل، فقال: أفعل، قال: فإنك إن تأخرت لشرب الخمر علمت ذلك والله لئن فعلت لأحدنك، فقال أبو دلامة: البلية في شهر أخف منها في طول الدهر، سمعا وطاعة، فلما حضر شهر رمضان لزم المسجد، وكان المهدي يبعث إليه في كل ليلة حرسيا يجيء به، فشق ذلك عليه وفزع إلى الخيزران وإلى أبي عبيد الله وكل من يلوذ بالمهدي ليشفعوا له في الإعفاء من القيام، فلم يجبهم، فقال له أبو عبيد الله: الدال على الخير كفاعله، فكيف شكرك؟ قال: أتم شكر، قال: عليك بريطة فإنه لا يخالفها، قال: صدقت، ثم رفع إليها رقعة يقول فيها:
أبلغا ريطة أني
كنت عبدا لأبيها
فمضى يرحمه الل
ه وأوصى بي إليها
وأراها نسيتني
مثل نسيان أخيها
جاء شهر الصوم يمشي
مشية ما أشتهيها
قائدا لي ليلة القد
ر كأني أبتغيها
تنطح القبلة شهرا
جبهتي لا تأتليها
ولقد عشت زمانا
في فيافي وجيها
في ليال من شتاء
كنت شيخا أصطليها
قاعدا أوقد نارا
لضباب أشتويها