تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال علي بن سلام: كنت أسقي أبا دلامة والسندي إذ خرجت بنت لأبي دلامة، فقال فيها أبو دلامة:

فما ولدتك مريم أم عيسى

ولا رباك لقمان الحكيم

أجز يا أبا عطاء، فقال:

ولكن قد تضمك أم سوء

إلى لباتها وأب لئيم

فضحك لذلك، ثم غدا أبو دلامة إلى المنصور فألفاه في الرحبة يصلح فيها شيئا يريده، فأخبره بقصة ابنته وأنشده البيتين، ثم اندفع فأنشده بعدهما:

لو كان يقعد فوق الشمس من كرم

قوم لقيل اقعدوا يا آل عباس

ثم ارتقوا في شعاع الشمس كلكم

إلى السماء فأنتم أطهر الناس

وقدموا القائم المنصور رأسكم

فالعين والأنف والأذنان في الراس

فاستحسنها وقال: بأي شيء تحب أن أعينك على قبح ابنتك هذه؟ فأخرج خريطة كان قد خاطها من الليل، فقال: تملأ لي هذه دراهم، فملئت فوسعت أربعة آلاف درهم.

لما توفي أبو العباس السفاح دخل أبو دلامة على المنصور والناس عنده يعزونه، فأنشأ أبو دلامة يقول:

أمسيت بالأنبار يابن محمد

لم تستطع عن عقرها تحويلا

ويلي عليك وويل أهلي كلهم

ويلا وعولا في الحياة طويلا

فلتبكين لك النساء بعبرة

وليبكين لك الرجال عويلا

مات الندى إذ مت يابن محمد

فجعلته لك في التراب عديلا

إني سألت الناس بعدك كلهم

فوجدت أسمح من سألت بخيلا

ألشقوتي أخرت بعدك للتي

تدع العزيز من الرجال ذليلا

فلأحلفن يمين حق برة

بالله ما أعطيت بعدك سولا

فأبكى الناس قوله، فغضب المنصور غضبا شديدا وقال: لئن سمعتك تنشد هذه القصيدة لأقطعن لسانك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أبا العباس أمير المؤمنين كان لي مكرما، وهو الذي جاء بي من البدو كما جاء الله بإخوة يوسف إليه، فقل كما قال يوسف لإخوته:

لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين

فسري عن المنصور وقال: قد أقلناك يا أبا دلامة، فسل حاجتك، فقال: يا أمير المؤمنين، قد كان أبو العباس أمر لي بعشرة آلاف درهم وخمسين ثوبا وهو مريض، ولم أقبضها. فقال المنصور: ومن يعرف هذا؟ فقال: هؤلاء، وأشار إلى جماعة ممن حضر، فوثب سليمان بن خالد وأبو الجهم فقالا: صدق أبو دلامة نحن نعلم ذلك، فقال المنصور لأبي الخازن وهو مغيظ: يا سليمان، ادفعها إليه وسيره إلى هذا الطاغية «يعني عبد الله بن علي» وقد كان خرج بناحية الشام وأظهر الخلاف، فوثب أبو دلامة فقال: يا أمير المؤمنين إني أعيذك بالله أن أخرج معهم، فوالله إني لمشئوم، فقال المنصور: امض، فإن يمني يغلب شؤمك فاخرج، فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أحب لك أن تجرب ذلك مني على مثل هذا العسكر، فإني لا أدري أيهما يغلب، أيمنك أم شؤمي، إلا أني بنفسي أوثق وأعرف وأطول تجربة، قال: دعني من هذا فما لك من الخروج بد، فقال: إني أصدقك الآن، شهدت والله تسعة عشر عسكرا كلها هزمت وكنت سببها، فإن شئت الآن على بصيرة أن يكون عسكرك العشرين فافعل، فاستغرب أبو جعفر ضحكا وأمره أن يتخلف مع عيسى بن موسى بالكوفة.

قال أبو دلامة: أتى بي المنصور أو المهدي وأن سكران، فحلف ليخرجني في بعث حرب، فأخرجني مع روح بن حاتم الهلبي لقتال الشراة، فلما التقى الجمعان قلت لروح: أما والله لو أن تحتي فرسك ومعي سلاحك لأثرت في عدوك اليوم أثرا ترتضيه، فضحك وقال: والله العظيم لأدفعن ذلك إليك ولآخذنك بالوفاء بشرطك، ونزل عن فرسه ونزع سلاحه ودفعهما إلي ودعا بغيرهما فاستبدل بهما، فلما حصل ذلك في يدي وزالت عني حلاوة الطمع قلت له: أيها الأمير هذا مقام العائذ بك، وقد قلت أبياتا فاسمعها، قال: هات، فأنشدته:

إني استجرتك أن أقدم في الوغى

لتطاعن وتنازل وحراب

63

فهب السيوف رأيتها مشهورة

فتركتها ومضيت في الهراب

ماذا تقول لما يجئ وما يرى

من واردات الموت في النشاب

فقال: دع عنك هذا وستعلم، وبرز رجل من الخوارج يدعو للمبارزة: فقال: اخرج إليه يا أبا دلامة، فقلت: أنشدك الله أيها الأمير في دمي، قال: والله لتخرجن، فقلت: أيها الأمير فإنه أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا وأنا والله جائع ما شبعت مني جارحة من الجوع، فمر لي بشيء آكله ثم أخرج، فأمر لي برغيفين ودجاجة، فأخذت ذلك وبرزت عن الصف، فلما رآني الشاري أقبل نحوي وعليه فرو قد أصابه المطر فابتل وأصابته الشمس فانفعل

عصر المأمون · الصفحة ٣١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣١٦