تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معن بن زائدة الذي زيدت به

شرفا على شرف بنو شيبان

إن عد أيام الفعال فإنما

يوماه يوم ندى ويوم طعان

فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أعطيته ما بلغك لهذا الشعر، وإنما أعطيته لقوله:

ما زلت يوم الهاشمية معلنا

بالسيف دون خليفة الرحمن

فمنعت حوزته وكنت وقاءه

من وقع كل مهند وسنان

فاستحيا المنصور وقال: إنما أعطيته ما أعطيته لهذا القول؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين؛ والله لولا مخافة الشنعة لأمكنته من مفاتيح بيوت الأموال وأبحته إياها؛ فقال له المنصور: لله درك من أعرابي! ما أهون عليك ما يعز على الرجال وأهل الحزم!

وأختم هذه الترجمة بموت مروان يقصه قاتله. روى صاحب الأغاني عن رجل يقال له صالح بن عطية الأصجم أنه قال: لما قال مروان:

أنى يكون وليس ذاك بكائن

لبنى البنات وراثة الأعمام

لزمته وعاهدت الله أن أغتاله فأقتله أي وقت أمكنني، وما زلت ألاطفه وأبره، وأكتب أشعاره حتى خصصت به فأنس بي جدا، وعرفت ذلك بنو حفصة جميعا فأنسوا بي، ولم أزل أطلب غرة حتى مرض من حمى أصابته، فلم أزل أظهر له الجزع عليه وألازمه وألاطفه حتى خلا لي البيت يوما، فوثبت عليه فأخذت بحلقه فما فارقته حتى مات، فخرجت وتركته فخرج إليه أهله بعد ساعة فوجدوه ميتا وارتفعت الصيحة، فحضرت وتباكيت وأظهرت الجزع عليه حتى دفن وما فطن لما فعلت أحد ولا اتهمني به. (4) أبو دلامة

58

كان أول ما حفظ من شعره وأسنيت الجوائز له به، قصيدة مدح بها أبا جعفر المنصور وذكر قتله أبا مسلم يقول فيها:

أبا مسلم

59

خوفتني القتل فانتحى

عليك بما خوفتني الأسد الورد

أبا مسلم ما غير الله نعمة

على عبده حتى يغيرها العبد

أنشدها المنصور في محفل من الناس فقال له: احتكم، فطلب عشرة آلاف درهم، فأمر له بها، فلما خلا قال له: إيه، أما والله لو تعديتها لقتلتك.

أمر أبو جعفر أصحابه بلبس السواد وقلانس طوال تدعم بعيدان من داخلها، وأن يعلقوا السيوف في المناطق ويكتبوا على ظهورهم:

فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم

فقال أبو دلامة:

وكنا نرجي من إمام زيادة

فجاد

60

بطول زاده في القلانس

تراها على هام الرجال كأنها

دنان يهود جللت بالبرانس

ودخل إلى المنصور مرة فأنشده:

إن الخليط أجد البين فانتجعوا

وزودوك خبالا، بئسما صنعوا

والله يعلم أن كادت لبينهم

يوم الفراق حصاة القلب تنصدع

عجبت من صبيتي يوما وأمهم

أم الدلامة لما هاجها الجزع

لا بارك الله فيها من منبهة

هبت تلوم عيالي بعد ما هجعوا

ونحن مشتبهو الألوان أوجهنا

سود قباح وفي أسمائنا شنع

إذا تشكت إلي الجوع قلت لها

ما هاج جوعك إلا الري والشبع

لا والذي يا أمير المؤمنين قضى

لك الخلافة في أسبابها الرفع

ما زلت أخلصها كسبي فتأكله

دوني ودون عيالي ثم تضطجع

شوهاء مشنأة في بطنها بجر

61

وفي المفاصل من أوصالها لها فدع

ذكرتها بكتاب الله حرمتنا

ولم تكن بكتاب الله تنتفع

فاخرنطمت

62

ثم قالت وهي مغضبة

أأنت تتلو كتاب الله يا لكع

اخرج لتبغ لنا مالا ومزرعة

كما لجيراننا مال ومزدرع

واخدع خليفتنا عنا بمسألة

إن الخليفة للسؤال ينخدع

فضحك أبو جعفر وكتب له بضيعة.

كان واقفا بين يدي السفاح فقال له: سلني حاجتك، قال: كلب أتصيد به، قال: أعطوه إياه، قال: ودابة أتصيد عليها، قال: أعطوه دابة، قال: وغلام يصيد بالكلب ويقوده، قال: أعطوه غلاما، قال: وجارية تصلح لنا الصيد وتطعمنا منه، قال: أعطوه جارية، قال: هؤلاء يا أمير المؤمنين عبيدك، فلا بد لهم من دار يسكنونها، قال: أعطوهم دارا تجمعهم، قال: فإن لم تكن لهم ضيعة فمن أين يعيشون؟ قال: قد أعطيتك مائة جريب عامرة، ومائة جريب غامرة، قال: وما الغامرة؟ قال ما لا نبات فيه، فقال: قد أقطعتك يا أمير المؤمنين خمسمائة ألف جريب غامرة من فيافي بني أسد، فضحك وقال: اجعلوها عامرة، قال: فأذن لي أن أقبل يدك، قال: أما هذه فدعها، قال: والله ما منعت عيالي شيئا أقل ضررا عليهم منها، قال الجاحظ: فانظر إلى حذقه بالمسألة ولطفه فيها، ابتدأ بكلب فسهل القصة به وجعل يأتي بما يليه على ترتيب وفكاهة حتى نال ما لو سأله بديهة لما وصل إليه.

عصر المأمون · الصفحة ٣١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣١٥