دخل مروان على موسى الهادي فأنشده قوله فيه:
تشابه يوما بأسه ونواله
فما أحد يدري لأيهما الفضل
فقال له الهادي: أيما أحب إليك؟ أثلاثون ألفا معجلة، أم مائة ألف تدون في الدواوين؟ فقال له: يا أمير المؤمنين، أنت تحسن ما هو خير من هذا، ولكنك أنسيته، أفتأذن لي أن أذكرك؟ قال: نعم؛ قال: تعجل لي الثلاثين ألفا وتدون المائة ألف في الدواوين، فضحك وقال: بل يعجلان جميعا، فحمل إليه المال أجمع.
قال محمد النوفلي: اجتاز مروان برجل من باهلة من أهل اليمامة، وهو ينشد قوما كان جالسا إليهم شعرا مدح به مروان بن محمد، وأنه قتل قبل أن يلقاه وينشده إياه، أوله:
مروان يابن محمد أنت الذي
زيدت به شرفا بنو مروان
فأعجبته القصيدة، فأمهل الباهلي حتى قام من مجلسه، ثم أتاه في منزله فقال له: إني سمعت قصيدتك وأعجبتني، ومروان قد مضى ومضى أهله، وفاتك ما قدرت عنده، أفتبيعني القصيدة حتى أنتحلها، فإنه خير لك من أن تبقى عليك وأنت فقير؟ قال: نعم؛ قال: بكم؟ قال: بثلاثمائة درهم، قال: قد ابتعتها، فأعطاه الدراهم وحلفه بالطلاق ثلاثا وبالأيمان المحرجة ألا ينتحلها أبدا، ولا ينسبها إلى نفسه ولا ينشدها، وانصرف بها إلى منزله فغير منها أبياتا وزاد فيها وجعلها في معن، وقال في ذلك البيت:
معن بن زائدة الذي زيدت به
شرفا على شرف بنو شيبان
ووفد بها إلى معن حتى أثرى واتسعت حاله، فكان معن أول من رفع ذكره ونوه به. وله فيه مدائح بعد ذلك شريفة ومراث حسنة . قال مروان: كان المنصور قد طلب معن بن زائدة طلبا شديدا وجعل فيه مالا، فحدثني معن باليمن أنه اضطر لشدة الطلب إلى أن قام في الشمس حتى لوحت وجهه، وخفف عارضيه ولحيته، ولبس جبة صوف غليظة، وركب جملا من الجمال النقالة يمضي إلى البادية فيقيم بها، وكان قد أبلى في حرب يزيد بن عمر بن هبيرة بلاء حسنا غاظ المنصور وجد في طلبه، قال معن: فلما خرجت من باب حرب تبعني أسود متقلدا سيفا حتى إذا غبت عن الحرس قبض على خطام جملي فأناخه وقبض علي، فقلت له: ما لك؟ قال أنت طلبة أمير المؤمنين، قلت: ومن أنا حتى يطلبني أمير المؤمنين؟ قال معن بن زائدة، قلت: يا هذا، اتق الله، وأين أنا من معن؟ قال: دع هذا عنك، فأنا والله أعرف بك منك، فقلت له: فإن كانت القصة كما تقول، فهذا جوهر حملته معي يفي بأضعاف ما بذله المنصور لمن جاءه بي، فخذه ولا تسفك دمي، قال: هاته، فأخرجته إليه، فنظر إليه ساعة وقال: صدقت في قيمته، ولست قابله حتى أسألك عن شيء، فإن صدقتني أطلقتك، فقلت: قل، قال: إن الناس قد وصفوك بالجود فأخبرني، هل وهبت قط مالك كله؟ قلت: لا، قال: فنصفه؟ قلت: لا، قال: فثلثه؟ قلت: لا، حتى بلغ العشر، فاستحييت، فقلت: أظن أني فعلت هذا، فقال: ما أراك فعلته، أنا والله راجل ورزقي من أبي جعفر عشرون درهما وهذا الجوهر قيمته آلاف الدنانير وقد وهبته لك، ووهبتك لنفسك ولجودك المأثور عنك بين الناس، ولتعلم أن في الدنيا أجود منك فلا تعجبك نفسك، ولتحقر بعد هذا كل شيء تفعله ولا تتوقف عن مكرمة؛ ثم رمى بالعقد في حجري وخلى خطام البعير وانصرف؛ فقلت: يا هذا، قد والله فضحتني ولسفك دمي أهون علي مما فعلت، فخذ ما دفعته إليك فإني غني عنه، فضحك وقال: أردت أن تكذبني في مقامي هذا، والله لا آخذه ولا آخذ بمعروف ثمنا أبدا ومضى؛ فوالله لقد طلبته بعد أن أمنت وبذلت لمن جاءني به ما شاء، فما عرفت له خبرا وكأن الأرض ابتلعته. وكان سبب رضا المنصور عن معن أنه لم يزل مستترا حتى كان يوم الهاشمية،
57
فلما وثب القوم على المنصور وكادوا يقتلونه، وثب معن وهو متلثم فانتضى سيفه وقاتل فأبلى بلاء حسنا وذب القوم عنه حتى نجا وهم يحاربونه بعد؛ ثم جاء والمنصور راكب على بغلة ولجامها بيد الربيع فقال له: تنح فإني أحق باللجام منك في هذا الوقت وأعظم فيه غناء؛ فقال له المنصور: صدق فادفعه إليه، فأخذه ولم يزل يقاتل حتى انكشفت تلك الحال، فقال له المنصور: من أنت؟ لله أبوك! قال: أنا طلبتك يا أمير المؤمنين معن بن زائدة؛ قال: قد أمنك الله على نفسك ومالك ومثلك يصطنع، ثم أخذه معه وخلع عليه وحباه وزينه، ثم دعا به يوما فقال له: إني قد أملتك لأمر فكيف تكون فيه؟ قال: كما يحب أمير المؤمنين؛ قال: قد وليتك اليمن فابسط السيف فيهم حتى ينقض حلف ربيعة واليمن، وابلغ من ذلك ما يحب أمير المؤمنين؛ فولاه اليمن وتوجه إليها فبسط السيف فيهم حتى أسرف. قال مروان: وقدم معن بعقب ذلك فدخل على المنصور، فقال له بعد كلام طويل: قد بلغ أمير المؤمنين عنك شيء لولا مكانك عنده ورأيه فيك لغضب عليك؛ قال: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: إعطاؤك مروان بن أبي حفصة ألف دينار لقوله فيك: