لعمرك ما أنسى غداة المحصب
إشارة سلمى بالبنان المخضب
وقد صدر الحجاج إلا أقلهم
مصادر شتى موكبا بعد موكب
قال مروان: دخلت على المهدي في قصر السلام، فلما سلمت عليه وذلك بعقب سخطه على يعقوب بن داود، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن يعقوب رجل رافضي، وإنه سمعني أقول في الوراثة:
أنى يكون وليس ذاك بكائن
لبنى البنات وراثة الأعمام
فذلك الذي حمله على عدواتي؛ ثم أنشدته:
كأن أمير المؤمنين محمدا
لرأفته بالناس للناس والد
فقال له المهدي: والله ما أعطيك إلا من صلب مالي، فاعذرني، وأمر لي بثلاثين ألف درهم وكساني جبة ومطرفا، وفرض لي على أهل بيته ومواليه ثلاثين ألفا أخرى.
لما قدم معن من اليمن دخل عليه مروان والمجلس غاص بأهله، فأخذ بعضادتي الباب وأنشأ يقول:
أرى القلب أمسى بالأوانس مولعا
وإن كان من عهد الصبا قد تمتعا
ويقول فيها:
ولما سرى الهم الغريب قريته
قرى من أزال الشك عنه وأزمعا
عزمت فعجلت الرحيل ولم أكن
كذي لوثة لا يطلع الهم مطلعا
فأمت ركابي أرض معن ولم تزل
إلى أرض معن حيثما كان نزعا
نجائب لولا أنها سخرت لنا
أبت عزة من جهلها أن تورعا
كسونا رحال الميس
55
منها غواربا
تدارك فيها الني
56
صيفا ومربعا
فما بلغت صنعاء حتى تواضعت
ذراها وزال الجهل عنها وأقلعا
إلى أن قال:
وما الغيث إذ عم البلاد بصوبه
على الناس من معروف معن بأوسعا
تدارك معن قبة الدين بعدما
خشينا على أوتادها أن تنزعا
أقام على الثغر المخوف وهاشم
تشاقى سماما بالأسنة منقعا
مقام امرئ يأبى سوى الخطة التي
تكون لدى غب الأحاديث أنفعا
وما أحجم الأعداء عنك بقية
عليك ولكن لم يروا فيك مطمعا
رأوا مخدرا قد جربوه وعاينوا
لدى غيله منهم مجرا ومصرعا
وليس بثانيه إذا شد أن يرى
لدى نحره زرق الأسنة شرعا
له راحتان الغيث والحتف فيهما
أبى الله إلا أن تضرا وتنفعا
لقد دوخ الأعداء معن فأصبحوا
وأمنعهم لا يدفع الذل مدفعا
نجيب مناجيب وسيد سادة
ذرى المجد من فرعي نزار تفرعا
لبانت خصال الخير فيه وأكملت
وما كملت خمسا سنوه وأربعا
لقد أصبحت في كل شرق ومغرب
بسيفك أعناق المريبين خضعا
وطئت خدود الحضرميين وطأة
لها هد ركن منهم فتضعضعا
فأقعوا على الأذناب إقعاء معشر
يرون لزوم السلم أبقى وأودعا
فلو مدت الأيدي إلى الحرب كلها
لكفوا وما مدوا إلى الحرب أصبعا
فقال له معن: احتكم، قال: عشرة آلاف درهم، فقال معن: ربحنا عليك تسعين ألفا، قال: أقلني، قال: لا أقال الله من يقيلك.
لما مات المهدي وفدت العرب على موسى الهادي يهنئونه بالخلافة ويعزونه عن المهدي، فدخل مروان فأخذ بعضادتي الباب وقال:
لقد أصبحت تختال في كل بلدة
بقبر أمير المؤمنين المقابر
ولو لم تسكن بابنه في مكانه
لما برحت تبكي عليه المنابر
مرض عمرو بن مسعدة فدخل عليه مروان وقد أبل من مرضه، فأنشأ يقول:
صح الجسم يا عمرو
لك التمحيص والأجر
ولله علينا الحم
د والمنة والشكر
فقد كان شكا شوقا
إليك النهي والأمر
قال موسى بن يحيى: أوصلنا إلى مروان بن أبي حفصة في وقت من الأوقات سبعين ألف درهم، وجمع إليها مالا حتى تمت مائة ألف وخمسين ألف درهم وأودعها يزيد بن مزيد، فبينا نحن عند يحيى بن خالد إذ دخل يزيد بن مزيد، وكانت فيه دعابة، فقال: يا أبا علي، أودعني مروان خمسين ومائة ألف درهم، وهو يشتري الخبز من البقال؛ فغضب يحيى ثم قال: علي بمروان، فأتي به، فقال له: قد أخبرني أبو خالد بما أودعته من المال وما تبتاعه من البقال، والله لما يرى من أثر البخل عليك أضر من الفقر لو كان بك. ويروى أنه قال له: والله للبخل أسوأ عليك أثرا من الفقر لو صرت إليه فلا تبخل. وقال عمر بن شبة قال مروان: ما فرحت بشيء قط فرحي بمائة ألف وهبها لي أمير المؤمنين المهدي، فوزنتها فزادت درهما، فاشتريت به لحما. وقال جهم بن خلف: أتينا اليمامة فنزلنا على مروان بن أبي حفصة فأطعمنا تمرا وأرسل غلامه بفلس وسكرجة ليشتري زيتا، فلما جاء بالزيت قال لغلامه: خنتني؛ قال: من فلس! كيف أخونك؟ قال: أخذت الفلس لنفسك واستوهبت الزيت. وقال التوزي: مر مروان بن أبي حفصة في بعض سفراته وهو يريد مغنى امرأة من العرب، فأضافته؛ فقال: لله علي إن وهب لي الأمير مائة ألف أن أهب لك درهما؛ فأعطاه ستين ألف درهم، فأعطاها أربعة دوانق. وقال أبو دعامة: اشترى مروان لحما بنصف درهم فلما وضعه في القدر وكاد ينضج دعاه صديق له، فرده على القصاب بنقصان دانق، فشكاه القصاب وجعل ينادي هذا لحم مروان، وظن أنه يأنف لذلك؛ فبلغ الرشيد ذلك فقال: ويلك! ما هذا؟ فقال: أكره الإسراف.