كان مروان متناقضا ولكنه تناقض مفهوم، كان شديد الحرص على الإجادة، فكان يشك في شعره، ويستشير فيه الشعراء والنحاة، ولكنه كان مع ذلك معجبا بنفسه لا يقدم عليها أحدا بعد هؤلاء الشعراء الثلاثة: الأخطل والفرزدق وجرير. واسمع رأيه فيهم وفي نفسه، فقد عقده شعرا ليثبت كما يقول:
ذهب الفرزدق بالفخار وإنما
حلو القريض ومره لجرير
ولقد هجا فأمض أخطل تغلب
وحوى اللهى ببيانه المشهور
كل الثلاثة قد أجاد فمدحه
وهجاؤه قد سار كل مسير
ولقد جريت ففت غير مهلل
بجراء لا قرف ولا مبهور
إني لآنف أن أحبر مدحة
أبدا لغير خليفة ووزير
ما ضرني حسد اللئام ولم يزل
ذو الفضل يحسده ذوو التقصير
أما رأي مروان في النقد فبديع، كان ينشد الشعر لامرئ القيس ويقول: هو أشعر الناس، ثم ينشد شعر الأعشى ويقول: هو أشعر الناس، ثم ينشد شعر زهير ويقول: هو أشعر الناس، حتى إذا أنشد لطائفة كثيرة من الشعراء، فرآهم جميعا أشعر الناس، قال ضاحكا: الناس أشعر الناس! ولست أعرف رأيا كهذا الرأي يمثل الشك في نقد الناقدين المعاصرين والسخرية بهذا النقد».
وننتقل من ذاك الوصف الرائع إلى ذكر نبذة صالحة من أخباره وأشعاره.
دخل مروان بن أبي حفصة على المهدي بعد وفاة معن، فأنشده مديحا فيه، فقال له المهدي: ألست القائل:
أقمنا باليمامة بعد معن
مقاما لا نريد به زوالا
وقلنا أين نرحل بعد معن
وقد ذهب النوال فلا نوالا
قد ذهب النوال فيما زعمت، فلم جئت تطلب نوالنا؟ لا شيء لك عندنا. فلما كان من العام المقبل تلطف حتى دخل مع الشعراء، وإنما كانت الشعراء تدخل على الخلفاء كل عام مرة، فمثل بين يديه، وأنشد - بعد رابع أو خامس من الشعراء:
طرقتك زائرة فحي خيالها
بيضاء تخلط بالجمال دلالها
قادت فؤادك فاستقاد ومثلها
قاد القلوب إلى الصبا فأمالها
فكأنما طرقت بنفحة روضة
سحت بها ديم الربيع طلالها
باتت تسائل في المنام معرسا
بالبيد أشعث لا يمل سؤالها
في فتية هجعوا غرارا بعدما
سئموا مراعشة السرى ومطالها
فكأن حشو ثيابهم هندية
نحلت وأغفلت القيون صقالها
وضعوا الخدود لدى سواهم جنح
تشكو كلوم صفاحها وكلالها
طلبت أمير المؤمنين فواصلت
بعد السرى بغدوها آصالها
نزعت إليك صواديا فتقاذفت
تطوي الفلاة حزونها ورمالها
يتبعن ناجية يهز مراحها
بعد النحول تليلها
49
وقذالها
هوجاء تدرع الربا وتشقها
شق الشموس إذا تراع جلالها
تنجو
50
إذا دفع القطيع كما نجت
خرجاء
51
بادرت الظلام رئالها
52
كالقوس ساهمة أتتك وقد ترى
كالبرج تملأ رحلها وحبالها
ومنها:
أحيا أمير المؤمنين محمد
سنن النبي حرامها وحلالها
ملك تفرع نبعة من هاشم
مد الإله على الأنام ظلالها
جبل لأمته تلوذ بركنه
رادى جبال عدوها فأزالها
لم يغشها مما يخاف عظيمة
إلا أجال لها الأمور مجالها
حتى يفرجها أغر مهذب
ألفى أباه مفرجا أمثالها
ثبت على زلل الحوادث راكب
من صرفهن لكل حال حالها
كلتا يديك جعلت فضل نوالها
للمسلمين وللعدو وبالها
وقعت مواقعها بعفوك أنفس
أذهبت بعد مخافة أوجالها
ونصبت نفسك خير نفس دونها
وجعلت مالك واقيا أموالها
هل تعلمون خليفة من قبله
أجرى لغايته التي أجرى لها
طلع الدروب مشمرا عن ساقه
بالخيل منصلتا يجد نعالها
قود تريع إلى أغر لوجهه
نور يضيء أمامها وخلالها
قصرت حمائله عليه فقلصت
ولقد تحفظ فينها فأطالها
حتى إذا وردت أوائل خيله
جيحان بث على العدو رعالها
53
أحمى بلاد المسلمين عليهم
وأباح سهل بلادهم وجبالها
أدمت دوابر خيله وشكيمها
غاراتهن وألحقت آطالها
لم يبق بعد مغارها وطرادها
إلا نحائزها
54
وإلا آلها
رفع الخليفة ناظري وراشني
بيد مباركة شكرت نوالها
وحسدت حتى قيل أصبح باغيا
في المشي مترف شيمة مختالها
ولقد حذوت لمن أطاع ومن عصى
نعلا ورثت عن النبي مثالها
فزحف المهدي من صدر مصلاه حتى صار على البساط إعجابا بما سمع، ثم قال: كم هي؟ قال مائة بيت، فأمر له بمائة ألف درهم، فكانت أول مائة ألف درهم أعطيها شارع في أيام بني العباس، وهكذا فعل معه الرشيد لما أنشده قصيدته التي يقول فيها: