تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما مدح مروان فمن آيات المدح العربي، ونحن لا نحفظ منه إلا متفرقات قليلة ولكنها تكفي لنحكم أن مروان كان قد أتقن المدح وبرع فيه، بل نحسب أنه برز في هذا الفن على غيره من المعاصرين، ولكن مدح مروان ينقسم إلى قسمين متمايزين: أحدهما المدح بالمعنى الشائع المعروف، وهو موجه لمعن بن زائدة، فهو يفتن في وصف معن بالجود والكرم والشجاعة والحب، ثم يفتن في مدح بني شيبان الذين ينتمي إليهم معن، وهو لا يخرج في مدحه هذا عن سنة الشعراء من قبله، ولكنه جيد المعاني منتقاها، حسن الألفاظ صافيها.

وأما القسم الثاني فهو هذا المدح السياسي الذي كان ينشده الخلفاء من بني العباس، وهو مدح إن شئت ولكنه يمتاز عن المدح المعروف بما فيه من هذا النضال السياسي الذي كان يحتاج إلى مهارة وفطنة ودقة وخفة، والذي كان يضطر صاحبه إلى أن يقهر العلويين دون أن يؤذيهم، وإلى أن ينصر العباسيين دون أن يزدري خصومهم، وقد بلغ مروان من ذلك ما أراد، فقد أغضب العلويين لا لأنه آذاهم أو هجاهم فيما نعتقد، بل لأنه كان خصما قويا عنيدا ماهرا في الخصام.

ثم هناك شيئان لا بد من الإشارة إليهما ليكمل رأينا في مروان، ولنستطيع أن نحكم على شعره حكما معللا إن صح هذا التعبير:

الأول:

أن مروان لم يكن عراقيا ولم يرض الإقامة في العراق ولم يطل عشرة العراقيين من أهل المجون والعبث، وإنما كان من أهل اليمامة أقام فيها لا يبرحها إلا وافدا على أمير أو وزير أو خليفة، فإذا أنشد قصيدته وظفر بجائزته عاد إلى اليمامة وأقام فيها عامه ثم استأنف الرحلة. ولهذا أثره في شعر مروان، فهو أقرب إلى شعر الجاهليين والإسلاميين منه إلى شعر المحدثين من شعراء الحضارة العباسية، تقرؤه فتجد عليه هذه المسحة التي تخلو أو تكاد تخلو من الدعابة والخفة، وتمتاز بشيء من الجلال والرصانة، يمثل البادية تمثيلا صحيحا؛ ولهذا أثره من وجهة أخرى، فقد رضي علماء اللغة جميعا عن مروان وأحبوه من هذه الناحية، وما أشك أنا في أنهم كانوا يودون لو استطاعوا إيثاره على بشار وأبي نواس، لأنه كان أقرب منهما إلى الأسلوب البدوي القديم، ولكن أنى لهم ذلك! وقد سلط الله عليهم لسان بشار وأبي نواس فاضطروا إلى أن يحابوا هذين الشاعرين ويتملقوهما، وأجمعوا أو كادوا يجمعون على تقديم بشار وإيثاره على مروان. ومع ذلك فليس إلى المقارنة سبيل بين الشاعرين إذا اتخذنا وجهة البحث والنقد، هذه الوجهة التي كان يعنى بها علماء اللغة وهي وجهة المتانة والرصانة في اللفظ والأسلوب، لا يقاس إلى مروان في هذا أحد من شعراء العراق، أما إذا اتخذنا وجهة أخرى للنقد، إذا اتخذنا اختلاف الفنون التي طرقها الشاعر، وقرب المأخذ، والدنو من أذهان الناس والقدرة على تمثيل حياتهم، فليس مروان يقاس إلى بشار ولا إلى أبي نواس بنوع خاص؛ على أن من علماء اللغة من استطاع أن يكون شجاعا شريفا في فنه لا يخاف ولا يهاب فصدق نفسه وصدق الناس، وآثر مروان على غيره من الشعراء المعاصرين، وهذا العالم اللغوي هو ابن الأعرابي الذي ختم الشعر بمروان وأبى أن يدون لأحد من المحدثين بعده، والذي كان ينشد مع الإعجاب الشديد هذه الأبيات الجيدة من شعر مروان، وهي:

بنو مطر يوم اللقاء كأنهم

أسود لها في بطن خفان أشبل

هم يمنعون الجار حتى كأنما

لجارهم بين السماكين منزل

لهاميم

48

في الإسلام سادوا ولم يكن

كأولهم في الجاهلية أول

هم القوم إن قالوا أصابوا وإن دعوا

أجابوا وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا

ولا يستطيع الفاعلون فعالهم

وإن أحسنوا في النائبات وأجملوا

وكان ابن الأعرابي يقول: لو أن معنا أعطى مروان كل ما يملك بهذه الأبيات لما بلغ حقه.

الثاني:

أن مروان لم يكن سريعا في الشعر ولا متعجلا ولا مسترسلا مع الطبع وإنما كان بطيئا متمهلا. كان يجيد الشعر لأنه كان يجوده. كان يسلك هذه الطريقة التي يزعم الرواة أن زهيرا كان يسلكها في هذه القصائد التي يسمونها الحوليات، كان ينفق أشهرا في إنشاء القصيدة وأشهرا في إصلاحها وأشهرا في عرضها حتى إذا استقام له هذا كله أنشد قصيدته لممدوحه خليفة كان أو وزيرا أو أميرا، فليس عجيبا مع هذه الأناة أن يخلو شعره مما يستنكر وأن يبرأ من الضعف والوحشية معا. ولقد يحدثنا الرواة بطائفة من أخبار مروان مع اللغويين والشعراء الذين كان يعرض عليهم شعره قبل أن ينشده الخلفاء. ولست أشير إلا إلى سيرته مع بشار فلها معناها. كان مروان يعرض القصيدة على بشار ويسأله رأيه فيها فلا يجيبه بشار بأنها جيدة أو بأنها رديئة، بل يقدر له قيمة القصيدة ماليا، فيقول: سيعطونك عليها كذا وكذا ... وقد صدق بشار مرتين فأظهر له مروان العجب من ذلك، فقال بشار: ألم أقل لك إني أعلم الغيب! ولم يكن يعلم الغيب، وإنما كان يفهم مروان ويفهم الخلفاء ويفهم الميول السياسية التي كان من شأنها أن تجزل حظ مروان من العطاء.

عصر المأمون · الصفحة ٣١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣١١