فاعف عني فقد قدرت وخير ال
عفو ما قلت: كن، فكان اقتدارا
لو يطيل الأعمار جار لعز
كان جاري يطول الأعمارا
فقال: والله لأبلن قبر أبي من دمه؛ فهرب حماد إلى بغداد، فعاذ بجعفر بن المنصور فأجاره، وقال: لا أرضى أو تهجو محمد بن سليمان، فقال يهجوه:
قل لوجه الخصي ذي العار إني
سوف أهدي لزينب الأشعارا
قد لعمري فررت من شدة الخو
ف وأنكرت صاحبي نهارا
وظننت القبور تمنع جارا
فاستجرت التراب والأحجارا
كنت عند استجارتي بأبي أي
وب أبغي ضلالة وخسارا
لم يجرني ولم أجد فيه حظا
أضرم الله ذلك القبر نارا
فبلغ هجاؤه محمد بن سليمان فقال: والله لا يفلتني أبدا، وإنما يزداد حتفا بلسانه! ولا والله لا أعفو عنه ولا أتغافل أبدا.
ومن قوله:
إن الكريم ليخفى عنك عسرته
حتى تراه غنيا وهو مجهود
وللبخيل على أمواله علل
زرق العيون عليها أوجه سود
إذا تكرمت أن تعطي القليل ولم
تقدر على سعة لم يظهر الجود
أبرق بخير ترجى للنوال فما
ترجى الثمار إذا لم يورق العود
بث النوال ولا تمنعك قلته
فكل ما سد فقرا فهو محمود
وقال أيضا:
كم من أخ لك لست تنكره
ما دمت من دنياك في يسر
متصنع لك في مودته
يلقاك بالترحيب والبشر
يطري الوفاء وذا الوفاء ويل
حى الغدر مجتهدا وذا الغدر
فإذا عدا، والدهر ذو غير،
دهر عليك عدا مع الدهر
فارفض بإجمال مودة من
يقلي المقل ويعشق المثري
وعليك من حالاه واحدة
في العسر إما كنت واليسر
لا تخلطنهم بغيرهم
من يخلط العقيان بالصفر!
وهو القائل في محمد بن طلحة:
زرت امرأ في بيته مرة
له حياء وله خير
يكره أن يتخم إخوانه
إن أذى التخمة محذور
ويشتهي أن يؤجروا عنده
بالصوم والصائم مأجور
يابن أبي شهدة أنت امرؤ
بصحة الأبدان مسرور
وهو القائل في محمد بن أبي العباس السفاح:
أرجوك بعد أبي العباس إذ بانا
يا أكرم الناس أعراقا وأغصانا
لو مج عود على قوم عصارته
لمج عودك فينا المسك والبانا
قيل: إن حمادا مضى إلى الأهواز، فأقام هناك مستترا، وبلغ محمدا خبره فأرسل مولى له إلى الأهواز، فلم يزل يطلبه حتى ظفر به فقتله غيلة. وقيل: إنه خرج من الأهواز يريد البصرة، فمر بشيراز في طريقه، فمرض بها، فاضطرم إلى المقام بسبب علته، فاشتد مرضه فمات هناك ودفن على تلعة. وكان بشار بلغه أن حمادا عليل، ثم نعى إليه قبل موته، فقال بشار:
لو عاش حماد لهونا به
لكنه صار إلى النار
فبلغ هذا البيت حمادا قبل أن يموت وهو في السياق،
44
فقال يرد عليه:
نبئت بشارا نعاني ولل
موت براني الخالق الباري
يا ليتني مت ولم أهجه
نعم ولو صرت إلى النار
وأي خزي هو أخزى من أن
يقال لي يا سب
45
بشار
فلما قتل المهدي بشارا بالبطيحة اتفق أن حمل إلى منزله ميتا، فدفن مع حماد على تلك التلعة، فمر بها أو هشام الباهلي الشاعر البصري الذي كان يهاجي بشارا، فوقف على قبريهما فقال:
قد تبع الأعمى قفا عجرد
فأصبحا جارين في دار
قالت بقاع الأرض لا مرحبا
بقرب حماد وبشار
تجاورا بعد تنائيهما
ما أبغض الجار إلى الجار
صارا جميعا في يدي مالك
في النار والكافر في النار (3) مروان بن أبي حفصة «لم
46
يكن مروان
47
متصرفا في فنون الشعر، ولعله لم يعد منها فنا أو فنين؛ فلسنا نعرف له غزلا إلا هذا الغزل الذي تعود الشعراء أن يبدءوا به مدائحهم؛ ولسنا نعرف له هجاء إلا هذا النحو من الهجاء الذي يضطر إليه الشعراء السياسيون حين يدافعون عن مذهبهم ويهاجمون خصومهم. على أن موقف مروان كان في هذا دقيقا جدا، فهو لم يكن ينصر بني العباس على بني أمية فيبلغ منهم ما يريد، ويهجوهم في حرية؛ وإنما كان السيف هو الذي انتصر للعباسيين من بني أمية، وكان العباسيون في حاجة إلى من ينصرهم على العلويين وأتباعهم من بني هاشم، ولم يكن هجاء العلويين يسيرا! كان الدين يأباه في ذلك الوقت، وكانت كرامة الخلافة العباسية نفسها تأباه أيضا، فالعلويون من بني هاشم وهجاؤهم هجاء للعباسيين؛ ومن هنا سلك مروان وأمثاله من الشعراء السياسيين الذين ناضلوا عن حقوق العباسيين مسلك الدفاع والمناظرة الشريفة البريئة من الشتم والقذف، فكان دفاعهم أبلغ، وكانت مناظراتهم أحسن وقعا من هجاء أولئك الشتامين المسرفين في الشتم؛ ثم لا نعرف لمروان مجونا ولا عبثا، فلم يكن كما قلنا ماجنا ولا عابثا وإنما كان بخيلا، والبخل والعبث شيئان لا يتفقان، ومن ضن على نفسه باللحم وطيبات الطعام لم يستبح لنفسه خمرا ولا ما تستتبعه الخمر. ثم لا نعرف لمروان فخرا وما نحسب أنه فاخر أو مال إلى الفخر، فقد كان رجلا عمليا يعنيه أن يظفر بالمكانة والثروة وكان يضن بوقته وجهده على الفخر الذي لا يفيد. لم يعرض إذن إلا لفنين اثنين: المدح والرثاء، وهو في المدح أشعر منه في الرثاء وهذا طبعي، فهو راغب حين يمدح، يطلب المال ويحرص على أن يظفر به، فمعقول أن يجيد وأن يبلغ من الإجادة حظا عظيما؛ أما في الرثاء فهو لا يرغب ولا يطلب مالا وإنما يفي بعهد ويشكر صنيعة. ومعقول أن موقفه هذا لا يدفعه إلى الإجادة إلا أن يكون حساسا دقيق الشعور راقي النفس، ولم يكن مروان من هذا كله في شيء، وإنما كان كما قلت لك رجلا عمليا يريد المال. على أن رثاءه لمعن ليس بالرديء وكذلك رثاؤه للمهدي، وهل نستطيع أن نعد رثاءه للمهدي رثاء! هو مدح لأنه عزاء للخليفة الجديد، ففيه ذكر للخليفة الراحل، والثناء على وارثه، وفيه المثوبة والعطاء. فهو إلى المدح أقرب منه إلى الرثاء.