تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تخوف تخمة أضيافه

فعودهم أكلة واحده

ومن قوله:

ألا قل لعبد الله إنك واحد

ومثلك في هذا الزمان كثير

قطعت إخائي ظالما وهجرتني

وليس أخي من في الإخاء يجور

أديم لأهل الود ودي وإنني

لمن رام هجري ظالما لهجور

ولو أن بعضي رابني لقطعته

وإني بقطع الرائبين جدير

فلا تحسبن منحي لك الود خالصا

لعز ولا أني إليك فقير

ودونك حظي منك لست أريده

طوال الليالي ما أقام ثبير

41

كان حماد صديقا لحفص بن أبي بردة، وكان حفص أعمش أفطس أعضب مقبح الوجه، فاجتمعوا يوما على شراب وجعلوا يتناشدون ويتحدثون، فأخذ حفص يطعن على مرقش ويعيب شعره ويلحنه؛ فقال له حماد:

لقد كان في عينيك يا حفص شاغل

وأنف كثيل

42

العود عما تتبع

تتبع لحنا في كلام مرقش

ووجهك مبني على اللحن أجمع

فأذناك إقواء وأنفك مكفأ

وعيناك إيطاء فأنت المرقع

ومن قوله:

إني أحبك فاعلمي

إن لم تكوني تعلمينا

حبا أقل قليله

كجميع حب العالمينا

وأنشد بشار قول حماد عجرد:

أخي كف عن لومي فإنك لا تدري

بما فعل الحب المبرح في صدري

أخي أنت تلحاني وقلبك فارغ

وقلبي مشغول الجوانح بالفكر

دوائي ودائي عند من لو رأيته

يقلب عينيه لأقصرت عن زجري

فأقسم لو أصبحت في لوعة الهوى

لأقصرت عن لومي وأطنبت في عذري

ولكن بلائي منك أنك ناصح

وأنك لا تدري بأنك لا تدري

فطرب بشار ثم قال: ويلكم أحسن والله! من هذا؟ قالوا: حماد عجرد؛ قال: أوه وكلتموني والله بقية يومي لهم طويل، والله لا أطعم بقية يومي طعاما، ولأصومن غما بما يقول النبطي مثل هذا.

قال محمد بن الفضل السلولي: لقيت حماد عجرد بواسط وهو يمشي وأنا راكب، فقلت له: انطلق بنا إلى المنزل، فإني الساعة فارغ لنتحدث، وحبست عليه الدابة، فقطع شغل عرض لي لم أقدر على تركه، فمضيت وأنسيته، فلما بلغت المنزل خفت شره فكتبت إليه:

أبا عمر اغفرها هديت فإنني

قد اذنبت ذنبا مخطئا غير عامد

فلا تجدن فيه علي فإنني

أقر بإجرامي ولست بعائد

وهبه لنا تفديك نفسي فإنني

أرى نعمة أن كنت لست بواجد

وعد منك بالفضل الذي أنت أهله

فإنك ذو فضل طريف وتالد

فأجابني عن الأبيات:

محمد يا با الفضل يا ذا المحامد

ويا بهجة النادي وزين المشاهد

وحقك ما أذنبت منذ عرفتني

على خطأ يوما ولا عمد عامد

ولو كان ما ألفيتني متسرعا

إليك به يوما تسرع واجد

43

ولو كان ذو فضل يسمى لفضله

بغير اسمه سميت أم القلائد

فبينا رقعته في يدي وأنا أقرؤها إذ جاءني رسوله برقعة فيها:

قد غفرنا الذنب يابن ال

فضل والذنب عظيم

ومسيء أنت يابن ال

فضل في ذاك مليم

حين تخشاني على الذن

ب كما يخشى اللئيم

ليس لي إن كان ما خف

ت من الأمر حريم

أنا والله ولا أف

خر للغيظ كظوم

وبأصحابي ولا ري

بة بر ورحيم

وبما يرضيهم عن

ي ويرضيني عليم

كان عثمان بن شيبة مبخلا وكان حماد يهجوه، فجاء رجل كان يقول الشعر إلى حماد فقال له:

أعني من غناك ببيت شعر

على فقرى لعثمان بن شيبه

فقال:

فإنك إن رضيت به خليلا

ملأت يديك من فقر وخيبه

فقال له الرجل: جزاك الله خيرا فقد عرفتني من أخلاقه ما قطعني عن مدحه وصنت وجهي عنه.

لما مات محمد بن أبي العباس طلب محمد بن سليمان حماد عجرد لما كان يقوله في أخته زينب من الشعر، فعلم أنه لا مقام له معه بالبصرة، فاستجار بقبر أبيه سليمان بن علي وقال فيه:

من مقر بالذنب لم يوجب الل

ه عليه بسيء إقرارا

ليس إلا بفضل حلمك يع

تد بلاء وما يعد اغترارا

يابن بنت النبي أحمد لا أج

عل إلا إليك منك الفرارا

غير أني جعلت قبر أبي أيو

ب لي من حوادث الدهر جارا

وحري من استجار بذاك ال

قبر أن يأمن الردى والعثارا

لم أجد لي من العباد مجيرا

فاستجرت التراب والأحجارا

لست أعتاض منك في بغية العزة

قحطان كلها أو نزارا

فأنا اليوم جار من ليس في الأر

ض مجير أعز منه جوارا

يابن بنت النبي يا خير من حط

ت إليه الغوارب الأكوارا

إن أكن مذنبا فأنت ابن من كا

ن لمن كان مذنبا غفارا

عصر المأمون · الصفحة ٣٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٠٩