تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الإنسان في سبيل تحقيق أطماعه السياسية هو بعينه في عصر معاوية، وفي عصر يوليوس قيصر وفي عصر بونابرت وفريدريك الأكبر أول عاهل لألمانيا، هو بعينه إنسان اليوم، هو بعينه كرئيس الولايات المتحدة وغيرها يستعمل المال في شراء الضمير الإنساني، ويعمل جهده على إذاعة دعوته، وتبيان فضائله، وتصويب خطته، باتخاذ الحملات الصحفية والخطابية وغيرها من وسائل الدعوة التي وصلت إليها المدنية الحديثة، والتي كانت في عصر معاوية وخلفاء معاوية وفي عصر المأمون وخلفاء المأمون تستخدم ألسنة الشعراء، وهي أسرع انتشارا، وأعمق أثرا، وأكثر رواية، وأطول عمرا مما يكتب اليوم فلا يرويه من الناس إلا قليل.

إنك لتعلم ما لاستخدام الشعر من أثر في كثير من الحركات السياسية، واستحثاث العزمات، وإنهاض الهمم في الانقلابات الاجتماعية، وما «للمرسليز» من أثر في نفوس الجند الفرنسيين إذا حمي وطيس الحرب واشتد أوارها، وأنت جد عالم بما كان لقصائد «اللورد بيرن» الواحدة تلو الأخرى، في سبيل استقلال اليونان الحديثة، وفي سبيل اجتذاب عطف أوروبا وساستها وجماهيرها وملوكها ونوابها وصحفها، ليأخذوا بناصر أمة مهيضة غلبت على أمرها.

أنت جد عالم بأن قصائد «بيرن» هذه فعلت في المعركة السياسية ما لم تفعله جيوش مصر وأساطيلها، وذخيرة الترك وانتصارها، فكان الحكم ل «بيرن»، وكان الانتصار لشعره. •••

كذلك كان الحال في عصر بني أمية، وكذلك كان أثر الشعر إن لم يكن أبلغ وأوسع نطاقا. ألم يوعز معاوية، في رواية يزيد ابنه، إلى مسكين الدارمي أن يقول أبياتا في معنى المبايعة ليزيد وينشدها إياه في مجلسه وهو حافل بالوجوه والأشراف؟!

وتقول رواية الأغاني: إن معاوية لما أراد البيعة ليزيد تهيب ذلك، وخاف ألا يمالئه عليه الناس لحسن التقية فيهم، وكثرة من يرشح للخلافة، وبلغه في ذلك ذرو

4

كلام كرهه من سعيد بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الله بن عامر، فأمر يزيد مسكينا - وكان يؤثره ويصله ويقوم بحاجاته عند أبيه - أن يقول أبياتا وينشدها معاوية في مجلسه إذا كان حافلا وحضره وجوه بني أمية، فلما اتفق ذلك دخل مسكين إليه وهو جالس، وابنه يزيد عن يمينه، وبنو أمية حواليه، وأشراف الناس في مجلسه، فمثل بين يديه وأنشأ يقول:

إن أدع مسكينا فإني ابن معشر

من الناس أحمي عنهم وأذود

إليك أمير المؤمنين رحلتها

تثير القطا ليلا وهن هجود

وهاجرة ظلت كأن ظباءها

إذا ما اتقتها بالقرون سجود

ألا ليت شعري ما يقول ابن عامر

ومروان أم ماذا يقول سعيد؟

بني خلفاء الله مهلا فإنما

يبوئها الرحمن حيث يريد

إذا المنبر الغربي خلاه ربه

فإن أمير المؤمنين يزيد

على الطائر الميمون والجد صاعد

لكل أناس طائر وجدود

فلا زلت أعلى الناس كعبا ولا تزل

وفود تساميها إليك وفود

ولا زال بيت الملك فوقك عاليا

تشيد أطناب له وعمود

قدور ابن حرب كالجوابي وتحتها

أثاف كأمثال الرئال ركود

فقال له معاوية: «ننظر فيما قلت يا مسكين ونستخير الله»، قال: ولم يتكلم أحد من بني أمية في ذلك إلا بالإقرار والموافقة، وذلك الذي أراده يزيد، ليعلم ما عندهم، ثم وصله يزيد ووصله معاوية فأجزلا صلته. ا.ه.

وأظنك لا تطلب منا حين مطالعتك لهذه القصيدة تحليلها لإقامة الدليل على صدق ما ذهبنا إليه، فيما أسلفناه لك من القول، بأن شعر العصر الأموي عربي جاهلي في منحاه وأسلوبه، وأنه يتميز بروح جديدة، ويختلف بأغراض ومقاصد تكاد تكون جديدة بالنسبة للعصر الجاهلي، وذلك لوضوح التحليل وخوف الإطالة فيما لا يعنينا كثيرا.

على أنه لزام في عنقنا أن نصور، إلى مدى أوسع، استخدام الشعر الأموي في الأغراض السياسية؛ لأن لهذا النوع الطريف نتائجه وآثاره في هذا العصر والعصور التي تلته، ولأن لهذه الميزة ميزة اصطباغ الشعر بالغرض السياسي، واندفاع صاحبه في سبيل نصرة دعوته معبدا ما قد يعتور طريقه من صعاب، مذللا ما يعترضه من عقاب، منتهكا حرمة التقاليد والأشخاص، بل خارجا إلى حيز لا يرضى عنه فقهاء الدين كثيرا، وربما لا يرضى عنه الشرع حقا، نزعم أن لهذه الميزة آثارها ونتائجها، ولسنا بسبيل تفصيل ذلك الآن، ولكنا بموقف المقيد للحوادث فحسب، المثبت لمبدأ وقوعها، ولها مع الزمن وتكرر وقوعها ونشاط ميدانها ما سيتاح لنا تفصيله فيما بعد، من اتساع نطاق السياسة الشعرية خاصة، ودولة الأدب عامة، وتهديدها حرمة العادة والخلق والدين. •••

عصر المأمون · الصفحة ٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٠