أبا عمر ما في طلابيك حاجة
ولا في الذي منيتنا ثم أضجرا
وعدت فلم تصدق وقلت غدا غدا
كما وعد الكمون شربا مؤخرا
فكان ذلك سبب التهاجي بين بشار وحماد. وكان بشار يرمي حمادا بالزندقة، وفي ذلك يقول:
ابن نهبي رأس علي ثقيل
واحتمال الرءوس خطب جليل
ادع غيري إلى عبادة الاثني
ن فإني بواحد مشغول
يابن نهبي برئت منك إلى الله
جهارا وذاك مني قليل
فأشاع حماد هذه الأبيات لبشار، وجعل فيها مكان: «فإني بواحد مشغول» «فإن عن واحد مشغول» ليصح عليه الزندقة والكفر بالله تعالى. فما زالت الأبيات تدور في الناس حتى انتهت إلى بشار، فاضطرب منها وجزع وقال: أشاط ابن الفاعلة بدمي، والله ما قلت إلا «فإني بواحد مشغول» فغيرها حتى شهرت في الناس.
كان رجل من أهل البصرة يدخل بين حماد وبشار على اتفاق منهما ورضا بأن ينقل إلى كل واحد منهما وعنه الشعر؛ فدخل يوما إلى بشار فقال له : إيه يا فلان، ما قال ابن الفاعلة، فأنشده:
إن تاه بشار عليكم فقد
أمكنت بشارا من التيه
فقال بشار: بأي شيء ويحك؟ فقال:
وذاك إذ سميته باسمه
ولم يكن حرا نسميه
قال: سخنت عينه، فبأي شيء كنت أعرف! إيه، فقال:
فصار إنسانا بذكري له
ما يبتغي من بعد ذكريه!
فقال: ما صنع شيئا، إيه ويحك! فقال:
لم أهج بشارا ولكنني
هجوت نفسي بهجائيه
فقال: على هذا المعنى دار وحوله حام. وتمام الأبيات:
لم آت شيئا قط فيما مضى
ولست فيما عشت آتيه
أسوأ لي في الناس أحدوثة
من خطأ أخطأته فيه
فأصبح اليوم لسبي له
أعظم شأنا من مواليه
وقال بشار لراوية حماد: ما هجاني به اليوم حماد؟ فأنشده:
ألا من مبلغ عني ال
ذي والده برد
فقال: صدق ابن الفاعلة فما يكون؟ فقال:
إذا ما نسب الناس
فلا قبل ولا بعد
فقال: كذب، أين هذه العرصات من عقيل! فما يكون؟ فقال:
وأعمى قلطبان
39
ما
على قاذفه حد
فقال: كذب، بل عليه ثمانون جلدة، هيه، فقال:
وأعمى يشبه القرد
إذا ما عمي القرد
فقال: والله ما أخطأ حين شبهني بقرد، حسبك حسبك! ثم صفق بيديه وقال: ما حيلتي! يراني فيشبهني ولا أراه فأشبهه. وتمام الأبيات:
دني لم يرح يوما
إلى مجد ولم يغد
ولم يحضر مع الحضا
ر في خير ولم يبد
ولم يخش له ذم
ولم يرج له حمد
جرى بالنحس مذ كان
ولم يجر له سعد
هو الكلب إذا مات
فلم يوجد له فقد
وقال علي بن مهدي: أجمع علماء البصرة أنه ليس في هجاء حماد عجرد لبشار إلا أربعون بيتا معدودة، ولبشار فيه من الهجاء أكثر من ألف بيت جيد. وكل واحد منهما هو الذي هتك صاحبه بالزندقة وأظهرها عليه، وكانا يجتمعان عليها، فسقط حماد وهتك بفضل بلاغة بشار وجودة معانيه، وبقي بشار على حاله لم يسقط، حتى عرف مذهبه في الزندقة فقتل به.
ومن أغلظ ما هجا به حماد بشارا:
نهاره أخبث من ليله
ويومه أخبث من أمسه
وليس بالمقلع عن غيه
حتى يوارى في ثرى رمسه
كان حماد صديقا ليحيى بن زياد، فأظهر يحيى تورعا وقراءة ونزوعا عما كان فيه وهجر حمادا وأشباهه، فكان إذا ذكر عنده ثلبه وذكر تهتكه ومجونه؛ فبلغ ذلك حمادا فكتب إليه:
هل تذكرن دلجى الي
ك على المضمرة القلاص
أيام تعطيني وتأ
خذ من أباريق الرصاص
إن كان نسكك لا يت
م بغير شتمي وانتقاصي
أو كنت لست بغير ذا
ك تنال منزلة الخلاص
فعليك فاشتم آمنا
كل الأمان من القصاص
وأقعد وقم بي ما بدا
لك في الأداني والأقاصي
فلطالما زكيتني
وأنا المقيم على المعاصي
أيام أنت إذا ذكر
ت مناضل عني مناصي
40
وأنا وأنت على ارتكا
ب الموبقات من الحراص
وبنا مواطن ما بنا
في البر آهلة العراص
فاتصل هذا الشعر بيحيى بن زياد، فنسب حمادا إلى الزندقة ورماه بالخروج عن الإسلام؛ فقال حماد فيه:
لا مؤمن يعرف إيمانه
وليس يحيى بالفتى الكافر
منافق ظاهره ناسك
مخالف الباطن للظاهر
كان حماد صديقا لحريث بن أبي الصلت الثقفي، وكان يعيبه بالبخل، وفيه يقول:
حريث أبو الفضل ذو خبرة
بما يصلح المعد الفاسده