قلبي فأضحى به من حبها أثر
أنى ولم ترها تهذي فقلت لهم
إن الفؤاد يرى ما لا يرى البصر
أصبحت كالحائم الحيران مجتنبا
لم يقض وردا ولا يرجى له صدر
وقال:
يزهدني في حب عبدة معشر
قلوبهم فيها مخالفة قلبي
فقلت دعوا قلبي وما اختار وارتضى
فبالقلب لا بالعين يبصر ذو الحب
فما تبصر العينان في موضع الهوى
ولا تسمع الأذنان إلا من القلب
وما الحسن إلا كل حسن دعا الصبا
وألف بين العشق والعاشق الصب
وقال:
يا قلب مالي أراك لا تقر
إياك أعني وعندك الخبر
أذعت بعد الألى مضوا حرقا
ما ضاع ما استودعوك إذ بكروا
وقال:
إن سليمى والله يكلؤها
كالسكر يزداد على السكر
بلغت عنها شكلا فأعجبني
والسمع يكفيك غيبة البصر
وقال وقد مدح المهدي فحرمه:
خليلي إن العسر سوف يفيق
وإن يسارا في غد لخليق
وما كنت إلا كالزمان إذا صحا
صحوت وإن ماق
33
الزمان أموق
أأدماء لا أسطيع في قلة الثرا
خزوزا ووشيا والقليل محيق
خذي من يدي ما قل إن زماننا
شموس ومعروف الرجال رقيق
لقد كنت لا أرضى بأدنى معيشة
ولا يشتكي بخلا علي رفيق
خليلي إن المال ليس بنافع
إذا لم ينل منه أخ وصديق
وكنت إذا ضاقت علي محلة
34
تيممت أخرى ما علي تضيق
وما خاب بين الله والناس عامل
له في التقى أو في المحامد سوق
ولا ضاق فضل الله عن متعفف
ولكن أخلاق الرجال تضيق
هجا بشار يعقوب بن دواد وزير المهدي فقال:
بني أمية هبوا طال نومكم
إن الخليفة يعقوب بن
35
دواد
ضاعت خلافتكم يا قوم فالتمسوا
خليفة الله بين الناس والعود
فاتهمه عند المهدي بالزندقة وقال: إنه قد هجا المهدي، فأمر، فضرب بالسياط حتى مات. (2) حماد عجرد
36 «ولو
37
أني أحببت أن أشخص حمادا لوصفته قبل كل شيء بحدة الطبع، وسوء الخلق، وحب الانتقام، والإسراع إليه، ثم بالصراحة في القول، والملاءمة بينه وبين العمل، وبكره النفاق والانصراف عنه، لا يعنيه أرضي الناس عنه أم سخطوا عليه، ثم بحدة اللسان ومضيه وإقذاعه وكلفه بفاحش القول وبحثه عن أسوئه وأقبحه، ثم بالسخرية من الناس وازدرائهم؛ لا على أنه يتخذ ذلك فلسفة وأصلا من أصول الحياة كالوليد ومطيع وأبي نواس، بل على أنه يتخذ ذلك وسيلة من وسائل الشعراء يخلص بها كلما ضاقت عليه المذاهب وأخذت عليه، أو دعته إلى ذلك حاجة. لم يكن حماد يحفل بما يحفل به الناس من الوفاء والانصراف عن التناقض، وإنما كان صديقا مخلصا حتى تبدوا له حاجة أو تسنح له فرصة أو تضطره ضرورة؛ فإذا صداقته قد استحالت إلى عداء، وإذا هو ليس أقل صدقا وإخلاصا في العداء منه في المودة والحب: فقد مدح يحيى بن زياد واتخذه صديقا ونال جوائزه، ثم كان الخلاف فهجاه. وصادق بشارا وصافاه، ثم اختصما فلم يعرفا في الخصومة رحمة ولا رفقا. وصافى مطيعا وأحبه ومدحه وأكثر في الثناء عليه، ثم اختصما في امرأة مرة وفي غلام مرة أخرى، فهجاه وأقذع في هجائه. وكان على هذا كله يؤثر شعره وضروراته على البر بالناس في معاملتهم: هجا ذات يوم رجلا يقال له حشيش وجعل اسمه قافية لهذا الشعر وأراد أن يبالغ في ذمه فشبهه ببحيش، وكان بحيش هذا رجلا من أهل البصرة وادعا لا يعرف حمادا ولا يعرفه حماد، فلما قرأ الرجل هذا الشعر جزع له وسافر من البصرة حتى بلغ الكوفة فعاتب حمادا؛ فقال له حماد ضاحكا معتذرا: لا بأس عليك فإن هذا من آثام القافية ولن أعود إليه».
وكان السبب في مهاجاة حماد وبشار أن حمادا كان نديما لنافع بن عقبة، فسأله بشار تنجيز حاجة من نافع فأبطأ عنها، فقال بشار فيه:
مواعيد حماد سماء مخيلة
تكشف عن رعد ولكن ستبرق
إذا جئته يوما أحال على غد
كما وعد الكمون ما ليس يصدق
وفي نافع عني جفاء وإنني
لأطرق أحيانا وذو اللب يطرق
وللنقرى
38
قوم فلو كنت منهم
دعيت ولكن دوني الباب مغلق
وما زلت أستأنيك حتى حسرتني
بوعد كجاري الآل يخفى ويخفق
فغضب حماد وأنشد نافعا الشعر فمنع بشارا، فقال بشار: