تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال أبان بن عبد الحميد: نزل في ظاهر البصرة قوم من أعراب قيس بن عيلان، وكان فيهم بيان وفصاحة، فكان بشار يأتيهم وينشدهم أشعاره التي يمدح بها قيسا، فيجلونه لذلك ويعظمونه، وكان نساؤهم يجلسن معه ويتحدثن إليه وينشدهن أشعاره في الغزل، وكنت كثيرا ما آتي في ذلك الموضع فأسمع منه ومنهم، فأتيتهم يوما فإذا هم ارتحلوا، فجئت إلى بشار فقلت: يا أبا معاذ، أعلمت أن القوم قد ارتحلوا؟ قال: لا، فقلت: فاعلم، قال: قد علمت لا علمت، ومضيت، فلما كان بعد ذلك بأيام سمعت الناس ينشدون:

دعا بفراق من تهوى أبان

ففاض الدمع واحترق الجنان

كأن شرارة وقعت بقلبي

لها في مقلتي ودمي استنان

إذا أنشدت أو نسمت عليها

رياح الصيف هاج لها دخان

فعلمت أنها لبشار، فأتيته فقلت: يا أبا معاذ، ما ذنبي إليك؟ قال: ذنب غراب البين، فقلت: هل ذكرتني بغير هذا؟ قال: لا، فقلت: أنشدك الله ألا تزيد، فقال: امض لشأنك فقد تركتك.

مدح بشار المهدي فلم يعطه شيئا، فقيل له: لم يستجد شعرك، فقال: والله لقد قلت فيه شعرا لو قيل في الدهر لم يخش صرفه على أحد، ولكنا نكذب في القول فيكذب في الأمل.

مدح بشار سليمان بن هشام بن عبد الملك، وكان مقيما بحران وخرج إليه، فأنشده قوله فيه:

نأتك على طول التجاور زينب

وما شعرت أن النوى سوف تشعب

يرى الناس ما تلقى بزينب إذ نأت

عجيبا وما تخفي بزينب أعجب

وقائلة لي حين جد رحيلنا

وأجفان عينيها تجود وتسكب

أغاد إلى حران في غير شيعة

وذلك شأو عن هواها مغرب

فقلت لها كلفتني طلب الغنى

وليس وراء ابن الخليفة مذهب

سيكفي فتى من سعيه حد سيفه

وكور علافي

31

ووجناء

32

ذعلب

إذا استوغرت دار عليه رمى بها

بنات الصوى منها ركوب ومصعب

فعدي إلى يوم ارتحلت وسائلي

بزورك والرحال من جاء يضرب

لعلك أن تستيقني أن زورتي

سليمان من سير الهواجر تعقب

أغر هشامي القناة إذا انتمى

نمته بدور ليس فيهن كوكب

وما قصدت يوما فحيلين خيله

فتصرف إلا عن دماء تصبب

فوصله سليمان بخمسة آلاف درهم، وكان يبخل، فلم يرضها وانصرف عنه مغضبا، فقال:

إن أمس منقبض اليدين عن الندى

وعن العدو مخيس الشيطان

فلقد أروح على اللئام مسلطا

ثلج المقيل منعم الندمان

في ظل عيش عشيرة محمودة

تندى يدي ويخاف فرط لساني

أزمان خيبني الشباب مطاوع

وإذ الأمير علي من حران

ريم بأحوية العراق إذا بدا

برقت عليه أكلة المرجان

فاكحل بعبدة مقلتيك من القذى

وبوشك رؤيتها من الهملان

فلقرب من تهوى وأنت متيم

أشفى لدائك من بني مروان

قدم بشار على المهدي بالرصافة فدخل عليه في البستان، فأنشده مديحا فيه تشبيب حسن، فنهاه عن التشبيب لغيرة شديدة كانت فيه، فأنشده مديحا يقول فيه:

كأنما جئته أبشره

ولم أجئ راغبا ومحتلبا

يزين المنبر الأشم بعطفي

ه وأقواله إذا خطبا

تشم نعلاه في الندي كما

يشم ماء الريحان منتهبا

قال: وقد طلب منه أن ينشده شيئا من غزله:

وقائل هات شوقنا فقلت له

أنائم أنت يا عمرو بن سمعان

أما سمعت بما قد شاع في مضر

وفي الحليفين من بكر وقحطان

قال الخليفة لا تنسب بجارية

إياك إياك أن تشقى بعصيان

وقال له المهدي: قل في الحب شعرا ولا تطل، واجعل الحب قاضيا بين المحبين لا تسم أحدا، فقال:

اجعل الحب بين حبي وبيني

قاضيا إني به اليوم راض

فاجتمعنا فقلت يا حب نفسي

إن عيني قليلة الإغماض

أنت عذبتني وأنحلت جسمي

فارحم اليوم دائم الأمراض

قال لي لا يحل حكمي عليها

أنت أولى بالسقم والإعراض

قلت لما أجابني بهواها

شمل الجور في الهوى كل قاض

فبعث إليه المهدي: حكمت علينا ووافقنا ذلك، فأمر له بألف دينار.

وقال بشار في عشق السمع:

يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة

والأذن تعشق قبل العين أحيانا

قالوا بمن لا ترى تهذي فقلت لهم

الأذن كالعين توفي القلب ما كانا

هل من دواء لمشغوف بجارية

يلقى بلقيانها روحا وريحانا

وقال في مثل ذلك:

قالت عقيل بن كعب إذ تعلقها

عصر المأمون · الصفحة ٣٠٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٠٦