عندها الصبر عن لقائي وعندي
زفرات يأكلن قلب الحديد
طرب الوليد وقال: من لي بمزج كأسي هذه من ريق سلمى، فيروي ظمئي، وتطفأ غلتي، ثم بكى حتى مزج كأسه بدمعه، وقال: إن فاتنا ذاك فهذا.
مدح بشار خالد بن برمك فقال فيه:
لعمري لقد أجدى علي ابن برمك
وما كل من كان الغنى عنده يجدي
حلبت بشعري راحتيه فدرتا
سماحا كما در السحاب مع الرعد
إذا جئته للحمد أشرق وجهه
إليك وأعطاك الكرامة بالحمد
له نعم في القوم لا يستثيبها
جزاء وكيل التاجر المد بالمد
مفيد ومتلاف سبيل تراثه
إذا ما غدا أو راح كالجزر والمد
أخالد إن الحمد يبقى لأهله
جمالا ولا تبقى الكنوز على الكد
فأطعم وكل من عارة مستردة
ولا تبقها إن العواري للرد
فأعطاه خالد ثلاثين ألف درهم، وكان قبل ذلك يعطيه في كل وفادة خمسة آلاف درهم، وأمر خالد أن يكتب هذان البيتان في صدر مجلسه الذي كان يجلس فيه، وقال ابنه يحيى بن خالد: آخر ما أوصاني به أبي العمل بهذين البيتين.
وكان إسحاق الموصلي يطعن على شعر بشار ويضع منه، ويذكر أن كلامه مختلف لا يشبه بعضه بعضا، فقيل له: أتقول هذا لمن يقول:
إذا كنت في كل الأمور معاتبا
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أوصل أخاك فإنه
مقارف
25
ذنب مرة ومجانبه
إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى
26
ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه
وهي من غرر قصائده، مدح بها عمر بن هبيرة، ومنها قوله:
يخاف المنايا إن ترحلت صاحبي
كأن المنايا في المقام تناسبه
فقلت له إن العراق مقامه
وخيم إذا هبت عليك جنائبه
لألقى بني عيلان إن فعالهم
تزيد على كل الفعال مراتبه
أولاك الألى شقوا العمى بسيوفهم
عن العين حتى أبصر الحق طالبه
وجيش كجنح الليل يزحف بالحصا
وبالشوك والخطى حمرا تغالبه
غدونا له والشمس في خدر أمها
تطالعنا والطل لم يجر ذائبه
بضرب يذوق الموت من ذاق طعمه
وتدرك من نجى الفرار مثالبه
كأن مثار النقع فوق رءوسنا
وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه
بعثنا لهم موت الفجاءة إننا
بنو الموت خفاق علينا سبائبه
27
فراحوا فريق في الإسار ومثله
قتيل ومثل لاذ بالبحر هاربه
ومنها:
إذا الملك الجبار صعر خده
مشينا إليه بالسيوف نعاتبه
رويدا تصاهل بالعراق جيادنا
كأنك بالضحاك قد قام نادبه
وسام لمروان ومن دونه الشجا
وهول كلج البحر جاشت غواربه
أحلت به أم المنايا بناتها
بأسيافنا إنا ردى من نحاربه
وكنا إذا دب العدو لسخطنا
وراقبنا في ظاهر لا نراقبه
ركبنا له جهرا بكل مثقف
وأبيض تستسقي الدماء مضاربه
ومنها:
فلما تولى الحي واعتصر الثرى
لظى الصيف من نجم توقد لاهبه
وطارت عصافير الشقائق واكتسى
من الآل أمثال المجرة ناضبه
غدت عانة
28
تسكو بأبصارها الصدى
إلى الجأب إلا أنها لا تخاطبه
ومن حسن شعره:
لو كنت تلقين ما نلقى قسمت لنا
يوما نعيش به منكم ونبتهج
لا خير في العيش إن كنا كذا أبدا
ما في التلاقي ولا في قبلة حرج
من راقب الناس لم يظفر بحاجته
وفاز بالطيبات الفاتك اللهج
أشكو إلى الله هما ما يفارقني
وشرعا في فؤادي الدهر تعتلج
وقال يهجو عبيد الله بن قزعة:
خليلي من كعب أعينا أخاكما
على دهره إن الكريم معين
كأن عبيد الله لم يلق ماجدا
مخافة أن يرجو نداه حزين
ولا تبخلا بخل ابن قزعة إنه
ولم يدر أن المكرمات تكون
فقل لأبي يحيى متى تدرك العلا
وفي كل معروف عليك يمين
إذا جئته في حاجة سد بابه
فلم تلقه إلا وأنت كمين
وفد على خالد بن برمك فأنشده:
أخالد لم أخبط
29
إليك بذمة
سوى أنني عاف وأنت جواد
أخالد بين الأجر والحمد حاجتي
فأيهما تأتي فأنت عماد
فإن تعطني أفرغ عليك مدائحي
وإن تأب لم يضرب علي سداد
ركابي على حرف
30
وقلبي مشيع
ومالي بأرض الباخلين بلاد
إذا أنكرتني بلدة أو نكرتها
خرجت مع البازي على سواد
فدعا خالد بأربعة آلاف دينار في أربعة أكياس، فوضع واحدا عن يمينه، وواحدا عن شماله، وآخر بين يديه، وآخر خلفه، وقال: يا أبا معاذ، هل استقل العماد؟ فلمس الأكياس ثم قال: استقل والله أيها الأمير.