تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقف على بشار بعض المجان، وهو ينشد شعرا، فقال له: استر شعرك هذا كما تستر عورتك، فصفق بشار بيديه وغضب ثم قال له: ومن أنت؟ ويلك! قال: أنا - أعزك الله - رجل من باهلة، وأخوالي سلول، وأصهاري عكل، واسمي كلب، ومولدي بأضاخ،

14

ومنزلي بظفر بلال، فضحك بشار، ثم قال: اذهب ويلك! فأنت عتيق لؤمك، قد علم الله أنك استترت مني بحصون من حديد.

مر بشار برجل قد رمحته بغلة وهو يقول: الحمد لله شكرا، فقال له: بشار استزده يزدك. ومر به قوم يحملون جنازة وهم يسرعون المشي بها، فقال: ما لهم مسرعين؟ أتراهم سرقوه فهم يخافون أن يلحقوا فيؤخذ منهم.

رفع غلام بشار إليه في حساب نفقته جلاء مرآة عشرة دراهم، فصاح به بشار وقال: والله ما في الدنيا أعجب من جلاء مرآة أعمى بعشرة دراهم، والله لو صدئت عين الشمس حتى يبقى العالم في ظلمة ما بلغت أجرة من يجلوها عشرة دراهم.

قال قدامة بن نوح: كان بشار يحشو شعره إذا أعوزته القافية والمعنى بالأشياء التي لا حقيقة لها؛ فمن ذلك أنه أنشد يوما شعرا له فقال فيه: «غنني للغريض يابن قنان» فقيل له: من ابن قنان هذا؟ لسنا نعرفه من مغني البصرة، قال: وما عليكم منه؟ ألكم قبله دين فتطالبوه به، أو ثأر تريدون أن تدركوه، أو كفلت لكم به، فإذا غاب طالبتموني بإحضاره؛ قالوا: ليس بيننا وبينه شيء من هذا، وإنما أردنا أن نعرفه، فقال: هو رجل يغني لي ولا يخرج من بيتي، فقال له: إلى متى؟ فقال: مذ يوم ولد وإلى أن يموت. وذكر أيضا في هذه القصيدة «البردان» فقيل له: يا أبا معاذ، أين البردان هذا؟ لسنا نعرفه بالبصرة، فقال: هو بيت في بيتي سميته بالبردان، أفعليكم من تسميتي داري وبيوتها شيء فتسألوني عنه؟

قالت امرأة لبشار: أي رجل أنت لو كنت أسود اللحية والرأس، قال: أما علمت أن بيض البزاة أشهر من سود الغربان؟ فقالت له: أما قولك فحسن في السمع، ومن لك بأن يحسن شيبك في العين كما حسن قولك في السمع؟ فكان بشار يقول: ما أفحمني قط غير هذه المرأة.

دعاه رجل إلى منزله فأكل وشرب، ولما أراد الانصراف قامت جارية للرجل وأخذت بيده، فلما صار بالصحن أومأ إليها ليقبلها، فأرسلت يدها من يده، فجعل يجول في العرصة وخرج مولى الجارية فقال: ما لك يا أبا معاذ؟ فقال: أذنبت ذنبا ولا أبرح أو أقول شعرا، فقال:

أتوب إليك من السيئات

وأستغفر الله من فعلتي

تناولت ما لم أرد نيله

على جهل أمري وفي سكرتي

ووالله والله ما جئته

لعمد ولا كان من همتي

وإلا فمت إذن ضائعا

وعذبني الله في ميتتي

فمن نال خيرا على قبلة

فلا بارك الله في قبلتي

لما كثر استهتار نساء البصرة وشبانها بشعر بشار، وقال سوار بن عبد الله ومالك بن دينار: ما شيء أدعي لأهل هذه المدينة إلى الفسق من أشعار هذا الأعمى، وما زالا يعظانه وكان واصل بن عطاء يقول: إن من أخدع حبائل الشيطان وأغواها لكلمات هذا الأعمى الملحد، فلما كثر ذلك وانتهى خبره إلى المهدي نهاه عن ذكر النساء وقول التشبيب، وكان المهدي من أشد الناس غيرة، فقال في ذلك:

يا منظرا حسنا رأيته

في وجه جارية فديته

بعثت إلي تسومني

ثوب الشباب وقد طويته

والله رب محمد

ما إن غدرت ولا نويته

أمسكت عنك وربما

عرض البلاء وما ابتغيته

إن الخليفة قد أبى

وإذا أبى شيئا أبيته

ومخضب رخص البنا

ن بكى علي وما بكيته

ويشوقني بيت الحبي

ب إذا ادكرت وأين بيته

قام الخليفة دونه

فصبرت عنه وما قليته

ونهاني الملك الهما

م عن النساء وما عصيته

لا بل وفيت فلم أضع

عهدا ولا رأيا رأيته

وأنا المطل على العدا

وإذا غلا الحمد اشتريته

أصفي الخليل إذا دنا

وإذا نأى عني نأيته

وأميل في أنس الندي

م من الحياء وما اشتهيته

وكان الخليل بن أحمد ينشد هذه الأبيات ويستحسنها ويعجب بها.

وكان لبشار خمسة ندماء، فمات منهم أربعة وبقي واحد يقال له: البراء، فركب في زورق يريد عبور دجلة العوراء فغرق، فكان بشار يقول: ما خير في الدنيا بعد الأصدقاء؛ ثم رثى أصدقاءه بقوله:

عصر المأمون · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٠٣