يسمون بالسؤال في كل موطن
وإن كان فيهم نابه وجليل
فسماهم الزوار سترا عليهم
فأستاره في المهتدين سدول
وقال بشار هذا الشعر في مجلس خالد في الساعة التي تكلم خالد بهذا في أمر الزوار، فأعطاه لكل بيت ألف درهم.
دخل بشار على عقبة بن سلم فأنشده بعض مدائحه فيه، وعنده عقبة بن رؤبة ينشده رجزا يمدحه به، فسمعه بشار وجعل يستحسن ما قاله إلى أن فرغ، ثم أقبل على بشار فقال: هذا طراز لا تحسنه أنت يا أبا معاذ، فقال بشار: ألي يقال هذا! أنا والله أرجز منك ومن أبيك وجدك؛ فقال له: عقبة أنا وأبي فتحنا للناس باب الغريب وباب الرجز، وإني لخليق أن أسده عليهم؛ فقال بشار: ارحمهم رحمك الله، ولما كان من غد غدا على عقبة بن سلم وعنده عقبة بن رؤبة، فأنشده أرجوزته التي مدحه فيها:
يا طلل الحي بذات الصمد
بالله خبر كيف كنت بعدي
أوحشت من دعد وترب دعد
سقيا لأسماء ابنة الأشد
قامت تراءى إذ رأتني وحدي
كالشمس تحت الزبرج
11
المنقد
صدت بخد وجلت عن خد
ثم انثنت كالنفس المرتد
عهدي بها سقيا له من عهد
تخلف وعدا وتفي بوعد
فنحن من جهد الهوى في جهد
وزاهر من سبط وجعد
أهدي له الدهر ولم يستهد
أفواف نور الحبر المجد
يلقى الضحى ريحانه بسجد
بدلت من ذاك بكى لا يجدي
وافق حظا من سعى بجد
ما ضر أهل النوك ضعف الجد
الحر يلحى والعصا للعبد
وليس للملحف مثل الرد
والنصف يكفيك من التعدي
وصاحب كالدمل الممد
حملته في رقعة من جلدي
أرقب منه مثل يوم الورد
حتى مضى غير فقيد الفقد
وما درى ما رغبتي من زهد
إسلم وحييت أبا الملد
مفتاح باب الحدث المنسد
مشترك النيل وري الزند
أغر لباس ثياب الحمد
ما كان مني لك غير الود
ثم ثناء مثل ريح الورد
نسجته في محكمات الند
فالبس طرازي غير مسترد
لله أيامك في معد
وفي بني قحطان غير عد
يوما بذي طخفة
12
عند الحد
ومثله أودعت أرض الهند
بالمرهفات والحديد السرد
والمقربات
13
المبعدات الجرد
إذا الحيا أكدى بها لا تكدي
تلحم أمرا وأمورا تسدي
وابن حكيم إن أتاك يردي
أصم لا يسمع صوت الرعد
حييته بتحفة المعد
فانهد مثل الجبل المنهد
كل امرئ رهن بما يؤدي
ورب ذي تاج كريم الجد
كآل كسرى وكآل برد
أنكب جاف عن سبيل القصد
فصلته عن ماله والولد
فطرب عقبة بن سلم وأجزل صلته، وقام عقبة بن رؤبة فخرج عن المجلس بخزي وهرب من تحت ليلته فلم يعد إليه.
قال الجاحظ: فانظر إلى سوء أدب عقبة بن رؤبة وقد أجمل بشار محضره وعشرته، فقابله بهذه المقابلة القبيحة، وكان أبوه أعلم خلق الله به، لأنه قال له وقد فاخره بشعره: أنت يا بني ذهبان الشعر، إذا مت مات شعرك معك، فلم يوجد من يرويه بعدك، فكان كما قال له، ما يعرف له بيت واحد ولا خبر غير هذا الخبر القبيح الإخبار عنه، الدال على سخفه وسقوطه وسوء أدبه.
وقال بشار في هوى له كانت بالبصرة، ثم خرجت مع زوجها إلى عمان:
هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت
وأشفى لقلبي أن تهب جنوب
وما ذاك إلا أنها حين تنتهي
تناهى وفيها من عبيدة طيب
عذيري من العذال إذ يعذلونني
سفاها وما في العاذلين لبيب
يقولون لو عزيت قلبك لارعوى
فقلت وهل للعاشقين قلوب
إذا نطق القوم الجلوس فإنني
مكب كأني في الجميع غريب
جاء أبو الشمقمق إلى بشار يشكو إليه الضيقة ويحلف له أنه ما عنده شيء، فقال له بشار: والله ما عندي ما يغنيك، ولكن قم معي إلى عقبة بن سلم، فقام معه، فذكر له أبا الشمقمق وقال: هو شاعر وله شكر وثناء، فأمر له بخمسمائة درهم، فقال له بشار:
يا واحد العرب الذي
أمسى وليس له نظير
لو كان مثلك آخرا
ما كان في الدنيا فقير
فأمر لبشار بألفي درهم، فقال أبو الشمقمق: نفعتنا ونفعناك يا أبا معاذ، فجعل بشار يضحك.
دخل يزيد بن منصور الحميري على المهدي وبشار بين يديه ينشده قصيدة امتدحه بها، فلما فرغ منها أقبل عليه يزيد، وكانت فيه غفلة، فقال: يا شيخ، ما صناعتك؟ فقال: أثقب اللؤلؤ، فضحك المهدي، ثم قال لبشار: اغرب ويلك! أتتنادر على خالي؟ فقال له: وما أصنع به؟ يرى شيخا أعمى ينشد الخليفة شعرا ويسأله عن صناعته.