تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان جرير بن المنذر السدوسي يفاخر بشارا، فقال فيه بشار:

أمثل بني مضر وائل

فقدتك من فاخر ما أجن

أفي النوم هذا أبا منذر

فخيرا رأيت وخيرا يكن

رأيتك والفخر في مثلها

كعاجنة غير ما تطحن

كان بشار يهوى أمرأة من أهل البصرة، فراسلها يسألها زيارته، فوعدته بذلك ثم أخلفته، وجعل ينتظرها ليلته حتى أصبح، فلما لم تأته أرسل إليها ليعاتبها فاعتذرت بمرض أصابها، فكتب إليها بهذه الأبيات:

يا ليلتي ترذاد نكرا

من حب من أحببت بكرا

حوراء إن نظرت إلي

ك سقتك بالعينين خمرا

وكأن رجع حديثها

قطع الرياض كسين زهرا

وكأن تحت لسانها

هاروت ينفث فيه سحرا

وتخال ما جمعت علي

ه ثيابها ذهبا وعطرا

وكأنها برد الشرا

ب صفا وصادف منك فطرا

جنية إنسية

أو بين ذاك أجل أمرا

وكفاك أني لم أحط

بشكاة من أحببت خبرا

إلا مقالة زائر

نثرت لي الأحزان نثرا

متخشعا تحت الهوى

عشرا وتحت الموت عشرا

وكان إسحاق الموصلي لا يعتد ببشار ويقول: هو كثير التخليط في نثره، وأشعاره مختلفة لا يشبه بعضها بعضا، أليس هو القائل:

إنما عظم سليمى حبتي

قصب السكر لا عظم الجمل

وإذا أدنيت منها بصلا

غلب المسك على ريح البصل

لو قال: كل شيء جيد ثم أضيف إليه هذا لزيفه. وكان يقدم عليه مروان ويقول: هو أشد استواء شعر منه، وكلامه ومذهبه أشبه بكلام العرب ومذاهبها، وكان لا يعد أبا نواس البتة ولا يرى فيه خيرا.

قال الجاحظ: كان بشار خطيبا صاحب منثور ومزدوج وسجع ورسائل، وهو من المطبوعين أصحاب الإبداع والاختراع، المتفننين في الشعر، القائلين في أكثر أجناسه وضروبه. وقال الشعر في حياة جرير وتعرض له، وحكى أنه قال: هجوت جريرا فأعرض عني، ولو هاجاني لكنت أشعر الناس، وكان يدين بالرجعة، ويكفر جميع الأمة، ويصوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، وذكر مثل ذلك في شعره فقال:

الأرض مظلمة والنار مشرقة

والنار معبودة مذ كانت النار

وقال بعض الرواة لأبي عمرو: من أبدع الناس بيتا؟ قال الذي يقول:

لم يطل ليلي ولكن لم أنم

ونفى عني الكرى طيف ألم

وإذا قلت لها جودي لنا

خرجت بالصمت عن لا ونعم

روحي يا عبد عني واعلمي

أنني يا عبد من لحم ودم

إن في بردي جسما ناحلا

لو توكأت عليه لانهدم

وهذه الأبيات لبشار.

قال: فمن أمدح الناس؟ قال الذي يقول:

لمست بكفي كفه أبتغي الغنى

ولم أدر أن الجود من كفه يعدي

فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى

أفدت وأعداني فأتلفت ما عندي

وهذه الأبيات لبشار.

ودخل بشار على إبراهيم بن عبد الله بن حسن، فأنشده قصيدة يهجو فيها المنصور ويشير عليه برأي يستعمله في أمره، فلما قتل إبراهيم خاف بشار، فقلب الكنية وأظهر أنه كان قالها في أبي مسلم، وحذف منها أبياتا، وأولها:

أبا جعفر ما طول عيش بدائم

ولا سالم عما قليل بسالم

قلب هذا البيت فقال: أبا مسلم:

على الملك الجبار يقتحم الردى

ويصرعه في المأزق المتلاحم

كأنك لم تسمع بقتل متوج

عظيم ولم تسمع بفتك الأعاجم

تقسم كسرى رهطه بسيوفهم

وأمسى أبو العباس أحلام نائم

يعني الوليد بن يزيد.

وقد كان لا يخشى انقلاب مكيدة

عليه ولا جري النحوس الأشائم

مقيما على اللذات حتى بدت له

وجوه المنايا حاسرات العمائم

وقد ترد الأيام غرا وربما

وردن كلوحا باديات الشكائم

ومروان قد دارت على رأسه الرحا

وكان لما أجرمت نزر الجرائم

فأصبحت تجري سادرا في طريقهم

ولا تتقي أشباه تلك النقائم

تجردت للإسلام تعفو سبيله

وتعري مطاه

4

لليوث الضراغم

فما زلت حتى استنصر الدين أهله

عليك فعاذوا بالسيوف الصوارم

فرم وزرا ينجيك يابن سلامة

فلست بناج من مضيم وضائم

جعل موضع «يابن سلامة» «يابن وشيكة» وهي أم أبي مسلم.

لحا الله قوما رأسوك عليهم

وما زلت مرءوسا خبيث المطاعم

أقول لبسام عليه جلالة

غدا أريحيا عاشقا للمكارم

من الفاطميين الدعاة إلى الهدى

جهارا ومن يهديك مثل ابن فاطم

هذا البيت حذفه بشار من الأبيات:

عصر المأمون · الصفحة ٣٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٠٠