تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| هوامش

| باب المنظوم

صورنا لك بالمجلد الأول حالة الشعر في صدر الدولة العباسية وذكرنا لك جملة صالحة من شعراء ذلك العصر ووعدناك بذكر مختارات من شعرهم، وإليك ما وعدناك به. (1) بشار بن برد العقيلي

1

سأله المهدي لما دخل عليه فقال له: فيمن تعتد يا بشار؟ فقال: أما اللسان والزي فعربيان وأما الأصل فعجمي، كما قلت في شعري يا أمير المؤمنين:

ونبئت قوما بهم جنة

يقولون من ذا وكنت العلم

ألا أيها السائلي جاهدا

ليعرفني أنا أنف الكرم

نمت في الكرام بني عامر

فروعي وأصلي قريش العجم

فإني لأغني مقام الفتى

وأصبي الفتاة فما تعتصم

وكان أبو دلامة حاضرا، فقال: كلا! لوجهك أقبح من ذلك، وجهي مع وجهك، فقال بشار: كلا! والله ما رأيت رجلا أصدق على نفسه وأكذب على جليسه منك، والله إني لطويل القامة، عظيم الهامة، تام الألواح، أسجح الخدين، ولرب مسترخي المزورين للعين فيه مراد. ثم قال له المهدي: من أي العجم أصلك؟ فقال: من أكثرها في الفرسان وأشدها على الأقرانن أهل طخارستان؛ فقال بعض القوم: أولئك الصغد، فقال: لا! الصغد تجار؛ فلم يردد ذلك المهدي.

وكان بشار كثير التلون في ولائه، شديد التشيع والتعصب للعجم، مرة يقول يفتخر بولائه في قيس:

أمنت مضرة الفحشاء إني

أرى قيسا تشب

2

ولا تضار

كأن الناس حين تغيب عنهم

نبات الأرض أخطأه القطار

وقد كانت بتدمر خيل قيس

فكان لتدمر فيها دمار

بحي من بني عيلان شوس

يسير الموت حيث يقال ساروا

وما نلقاهم إلا صدرنا

بري منهم وهم حرار

ومرة يتبرأ من ولاء العرب فيقول:

أصبحت مولى ذي الجلال وبعضهم

مولى العريب فجد بفضلك فافخر

مولاك أكرم من تميم كلها

أهل الفعال ومن قريش المشعر

فارجع إلى مولاك غير مدافع

سبحان مولاك الأجل الأكبر

وقال يفتخر بولاء بني عقيل:

إنني من بني عقيل بن كعب

موضع السيف من طلى الأعناق

وولد بشار أعمى، فما نظر إلى الدنيا قط، وكان يشبه الأشياء بعضها ببعض في شعره، فيأتي بما لا يقدر البصراء أن يأتوا بمثله؛ فقيل له يوما وقد أنشد قوله:

كأن مثار النقع فوق رءوسنا

وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه

ما قال أحد أحسن من هذا التشبيه، فمن أين لك هذا ولم تر الدنيا قط ولا شيئا فيها؟ فقال: إن عدم النظر يقوي ذكاء القلب ويقطع عنه الشغل بما ينظر إليه من الأشياء، فيتوفر حسه وتذكو قريحته؛ ثم أنشدهم قوله:

عميت جنينا والذكاء من العمى

فجئت عجيب الظن للعلم موئلا

وغاض ضياء العين للعلم رافدا

بقلب إذا ما ضيع الناس حصلا

وشعر كنور الأرض لاءمت بينه

بقول إذا ما أحزن الشعر أسهلا

وكان من أشد الناس تبرما بالناس. وكان يقول: الحمد لله الذي ذهب ببصري. فقيل له لم يا أبا معاذ؟ قال: لئلا أرى ما أبغض.

وقال الأصمعي: بشار خاتمة الشعراء، والله لولا أن أيامه تأخرت لفضلته على كثير منهم. وقيل لأبي عبيدة: أمروان أشعر أم بشار؟ فقال: حكم بشار لنفسه بالاستظهار، إنه قال ثلاثة عشر ألف بيت جيد، ولا يكون عدد الجيد من شعر شعراء الجاهلية والأسلام هذا العدد، وما أحسبهم برزوا في مثلها، ومروان أمدح للملوك.

وسئل الأصمعي عن بشار ومروان أيهما أشعر؟ فقال: بشار؛ فسئل عن السبب لذلك، فقال: لأن مروان سلك طريقا كثر من يسلكه، فلم يلحق بمن تقدمه وشركه فيه من كان في عصره، وبشار سلك طريقا لم يسلك وأحسن فيه وتفرد به، وهو أكثر تصرفا وفنون شعر، وأغزر وأوسع بديعا، ومروان لم يتجاوز مذهب الأوائل.

وقيل لبشار : ليس لأحد من شعراء العرب شعر إلا وقد قال فيه شيئا استنكره العرب من ألفاظهم وشك فيه، وإنه ليس في شعرك ما يشك فيه؛ قال: ومن أين يأتيني الخطأ؟ وولدت ها هنا، ونشأت في حجور ثمانين شيخا من فصحاء بني عقيل ما فيهم أحد يعرف كلمة من الخطأ، وإن دخلت إلى نسائهم فنساؤهم أفصح منهم، وأيفعت فأبديت

3

إلى أن أدركت، فمن أين يأتيني الخطأ؟

عصر المأمون · الصفحة ٢٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٩٩