فلما بلغ الله في إحكام أمرهما ما بلغ، لم يستغن عن إعادة النظر في أمر غيرهما من نواحيه ليستبرئ به، وإرادته في أقوام يدافع ظنونهم به في أخرى، وعلم غيرهما أن ما شمل من بمدينة السلام من الأمن والفراغ نتيجة مكروهة، فشخص عنها لتحقيق ذلك مؤثرا لأبغض وطنيه على أحبهما وأخشن عيشيه على ألينهما؛ فلما ظهرت له العورة أقدم إقدام ذي الحجة، فلم ير مثلها نارا خبت، وسحابة أقشعت، لم يسفك بها دم امرئ مسلم صبرا، ولم ينتهك فيها حرمة محرم إباحة.
وذلك أنه بسط يده بسط من يريد الاستصلاح لا من يريد الانتقام، فلم يلبث الظالع أن رجع عن ظلعه، والناطق أن صمت عن بدعته، والناكث أن رجع إلى قصده، وازداد البرئ على البراءة فرحا، والسالم بالسلامة اغتباطا، ولم نر مثله فيما أفضى الله به إليه من خلافته، وحمله من أمور عباه؛ أما ليله بمناجاة ربه فيها واسعتانته إياه عليها فساهر؛ وأما نهاره في حلب فيئها وإحكام أمورها فتعب؛ وأما صدقاته على فقرائها وأهل الحاجة فجارية؛ وأما مجلسه من فقهائها وصلحائها فغاص؛ وأما غلظته على ظالمها فعتيدة؛ وأما أفضاله لمظلومها فمبسوطة؛ ولئن كان الحق ألزم أقواما استوجبوا في أنفسهم وأموالهم، إنا لنعلم أن ما ترك أكثر، وأنه لولا ما خفف من الوطأة على أقوام لحمل الواحد منهم مثل الذي حمله للجميع، ولكنه رضي بالعفو، وسخا نفسا عن الاستقصاء، فأوجب أن يبسط يدا بغلظة ويتبعها أخرى بلين؛ فكان من ذلك نظره في هذه البقايا التي هي فيء المسلمين ومال الله، غير أن الله جعله قيمه فيه، وفي أخذه وصرفه في وجوهه؛ فلما رأى ضراوة
162
العمال بها ومصانعتهم دونها، وأن قد صارت كالسنة اللازمة لا يدعها عفيفهم تورعا، ولا شريفهم تنزها، أحب توفيره للمسلمين فيئهم، أن يحدث لهم أدبا يفطم به عنهم أهل الضراوة، ويعرف به ذوو الاستخفاف بالأمانة، والأمر للتبعة؛ أن عليهم
163
من تفقده وأدبه عينا ترمق، ويدا تقبض، ولو أنه حين هم بأخذ تلك البقايا حمل على الموسر بقدر يساره، وأخذ المعسر بطاعته، كان قد أنصف، كلا! ولكنه أحب أن يستبقي قوة، ولا يبلغ من المكثر جهدا، واقتصر بهم على العشر من ذلك، كرما في القدرة حين رأى موضع الرفق، وتجافى عن العلة حين عرف مكان الغدر؛ فأي نعمة أعظم، وأي بلاء أحسن من هذه البقايا! كانت في أيديهم جماما، فلما اطلع طلعها، وأخذ ما أخذ، وترك ما ترك، محللا مع ما جعل الله في ذلك من [كلمات]
164
المقصر من العمال المؤذية التي لم تكن تعدو أفواههم، فليس منهم أحد إلا وكان منه له واعظ ألا يكسر شيئا من الخراج تضييعا، أو يأخذه غلولا
165
أو ينفقه إسرافا، أو يتركه إرهابا.
فلما تفرغ من علاج الداء المخوف واستأصله، ومن الفيء المتفرق فجمعه، ومن الأمور المعطلة فأحكمها، استخلف على القيام بذلك من يحويه عقله عن حذر، ولا إضاعة عن حفظ، ولا لين عن تشدد، ولا يستحل الأكف عن نقض ما أبرم، ولا مزاولة ما أحكم، ولا فتح ما أغلق، ولا إغلاق ما فتح، فلان خيرة أبويه، ومح بيضته، وجوهر أرومته، الفائت سبقا، البين عدوا، الراسخ عرقا، المنفجر بحرا، المحمود أمرا، القائل فصلا، الحاكم عدلا، ثم انصرف بما أفاده الله من الأجر إلى جناحه الذي كان مده على من خلف من الأهل والأموال والرعايا والجنود، فلان سليلة صلبه، وثمرة قلبه، المحتنك مع فتاء سنه عقلا، والمأمون مع شدة شكيمته حملا، والمحصد مع لينه وتعطفه أمرا، الشبيه بأمير المؤمنين إن نطق نطقا، وإن نظر لحظا، وإن سئل جودا، وإن اهتصر عودا، وإن ساس رفقا، وإن غضب حلما، وإن وصف علما، وإن كلم فهما، وإن قدر عفوا، وإن لقي بشرا، وإن نازع فلجا، وإن قارع ظفرا؛ فكان عند ظنه به، رعاية للحرمة، وحزما في المكيدة، وحلبا للفيء، وحياطة للغائب، ومباشرة للشاهد؛ هذا قليل من كثير. مما جعلك الله أهله، وإنما اقتصرت عليه لأني رأيت المتكلمين من الخطباء تركوه، وأن ما سمعت من الكتب المقروءة لم تنظمه، فأحببت أن يعلم أمير المؤمنين أن له في كل أمر عمل به في رعيته حجة واضحة، وعذرا معروفا، إن قام به متكلم في خاصة حسن موقعه، وإن قرئ به كتاب في عامة، قويت به حجته.