158
للأسفار دار من كان لا ينال الخفض من الجنود حتى استوطئوا مركب الأمن فكلهم ضنين بمفارقته. أما ذو النية فكرن إلى النقض. وأما من لا يبدله ففعل ما كان يؤخذ به من الاستكراه. وأما الحشر من الجند والرعاع فغلبت عليهم عادة الهوينا، حتى لو رأيناه يجذبه الأمر فما يجد له الأمر غناء عنده ولا نشاطا ولا حدا إن وكله إلى قوته، وقواه بماله.
159
فلما رأى ما رأى من تخاذل العامة، وتواكل الجنود، ونزور الفيء، وجمود الحلب، واستكلاب العمال على الخيانة، وجرأة الرعية على منع الحق، ومال الفراغ بكثير من الناس عن القصد، فتحركت الأهواء، واستعرت نيران العصبية، وجاشت صدور الحسدة وأشياعهم بالأماني، وظنوا أن لا شدة معه، وأن عفوه لا نكير بعده، وأمير المؤمنين يرمقهم بعين بصيرة، وأذن مصيخة، وقلب يقظان؛ وقد وقر الحلم أن يخف لأول بوادر السفهاء، فهو ينتظر بالمدبر أن يقبل، وبالمائد أن يعتدل؛ وبالمغلوب على رأيه أن يتذكر فيبصر، شمر في إثرهم تشمير من قدم الروية قبل العجلة، والعفو قبل العقوبة، والتثبت قبل الإقدام، فاتخذ روابط أنتجها على الجلد والنشاط، ليست لهم سوابق تدعوهم إلى الإدلال، وتسمو بهم إلى كثير لم ينالوه؛ إنما همهم أن يتفاضلوا في النجدة، ويستوجبوا بالغناء، ثم فرقهم على خواص خدمه، فإذا أراد أن يتناول بهم فرصة ممكنة، أو عدوا غاط،
160
أو راتق فتق قبل الساعة، يغمس يديه إلى أيهم أراده، فينفذ لأمره ولم يشركه فيه مشير، ولم يخرج به توقيع، ولم يخص فيه عامة، ولم يطلع منه على مكيدة، فلم نعلم أننا رأينا جندا أسرع نهضة إذا مروا، وأحسن إجابة إذا دعوا، وأفضل غناء إذا استكفوا من جنده. ثم قصد بنفسه حتى مثل بين النواحي إلى أهمها له فسادا في البيضة، وانقاصا من الأطراف، فأتى ناحية الشأم فوطئها وطأة جمع الله بها لهم شتات الفرقة، وأخمد بها بينهم نار الفتنة.
وأما الجزيرة فإنه ألفاها وهي كالجرح النغل، فاستأصل الله به منها شأفة الداء، وأطفأ به عنها بوادر السفهاء؛ وخير أمير المؤمنين من منزله الذي هو به منزلا جمع من بسطته في الموضع، ورفاهيته في المعاش، أنه حامل للجنود، جامع للمرافق، فباشر أمره أمرا أمرا، حتى إذا استدبر له منها مبرم، استقبل بعده جسام منتقض؛ وإذا أشحن من ثغوره ثغرا لم يرض حتى يفتتح من حصون أعدائه حصنا، وإذا قضى الله عنه حجة، وصل خطوه منها عزا؛ ثم رأينا ما عزم الله به عليه من ترك الصوائف
161
مراقبا للذي كان من غموط أهل الشأم لما كانوا فيه من النعمة، فلم نتشكك في أنه توفيق من الله له وافق سخطا عليهم حتى استباحوا الحرم، وتسافكوا الدماء، ونقضوا ما بينهم من مبرم حبل الإسلام.
ومن ذلك أن أرمينية كانت فيها جنود تخرج عليهم أطماع تحمل إليها، بعد اعترافهم بإخراجهم الأموال من كور الشأم، فلما رأى ذلك فعل كذا وكذا، فلم يتوكل على الله في أمر فوكله إلى نفسه، ولم يكتف به في حفظ طرف أو قاصية ثغر إلا كفاه مئونته، وعلم أن ما يدخل منن أضعاف العافية من عوارض العلل، إنما هو بتقدير من الله لا يمتنع بعذر، ولا يستطاع دفعه بحيلة، يصيب فيه أقواما بالبلايا والتمحيص، ويقسم فيه لأقوام الأجر والجهاد والسعادة، فرأى أن في عاجل ما يرفع عن أهل أرمينية من ضرر مئونتهم وغمطهم نفعا للرعية، وإجمالا للفيء، ورفقا بالعامة مع اقتصاده في الأبواب على أكناف سجيتها، وفي سائر أرمينية على المقاتلة من أهلها، ولم يزل منذ أراه الله ذلك، يكفيه مئونة ذاك الثغر، ويكف عنه بوائقه، حتى كأنه في هدوء الأحداث عنه، وسكون الأفئدة من روعاته مصر من الأمصار، واسط المحلة مأمون النائرة. فلما اغتنم خاقان ما اغتنم، وانتهز الفرصة مبادرا، لما قد أيقن من معالجة المؤمنين إياه، فكأنه حين بلغه ذلك من إعظامه إياه بسببه له، وما أنصب فيه من بدنه، وأسهر فيه من ليله، وأنضب فيه من نهاره، لم يعلم الذي يكون من اشتباهه في الأزمنة الماضية قبله، وأنه بذلك لجد عالم؛ غير أن حميته للإسلام وشفقته عليه وامتعاضه من أن يتناول شيء من أطرافه، قد زاد ذلك عنده قدرا في العظم، وتفاقما في الخطب، حتى أكمل البعث بأكثر العدد، وأكمل العدة، واستقل أهل الكور والأمصار، وندب له من أهل بيته من لم يترك بعده نهاية في التخير؛ وكان قد صرف باله إلى هذين الثغرين من الخزر والروم، وإلى هذين العدوين المحاربين له من المارقة المتعصبة.